آخر تحديث: 7 / 4 / 2020م - 2:18 ص  بتوقيت مكة المكرمة

المكب

المهندس أمير الصالح *

يُنقل عن لسان أحد قصص الأجداد الذين جابوا بعض الدول بأن رجل عراقي كبير السن يتنقل بين بعض مدن الجنوب العراقي حيث أبناء عشيرته. وكان حيثما استقل ذاك الرجل حافلة للنقل العام أو أكل في مطعم ما فإنه يستدر عطف أبناء مجتمعه بشكواه من أنه وُلد وعمره سبعة أشهر «خديج كما يُسمى في بعض مناطق الدول العربية»، أي قبل اكتمال نضجه التام عند الولادة وأنه ضعيف البنية حينذاك. فكان حينما يطلب طعام من مطعم ما بمنطقته يطلب زيادة في المؤنة مجانية وحينما يركب حافلة نقل عام يطلب من الآخرين افساح أكبر مجال له لذات السبب. أبناء مجتمعه في مجملهم مسالمين وطيبون ويستمعون لشكواه ويتعاطفون معه ويستجيبون لما يود أن يحصل عليه أو يطرب أن يستمع له. واستمر ذلك الحال حتى بلغ عمره عتيا واستمرأ الحال. و ذات يوم واجهه رجل مفتول العضلات وكان غضبان منه لكثرة شكواه وكثرة استدراره لعطف بني مدينته، فقال الرجل له وهم بالحافلة وأمام الناس: ”ما رأيك أن ترجع من المكان الذي أتيت منه وتكمل شهرين إقامة وتكون بذلك أكملت تسعة أشهر أي مثل الآخرين بدل كثرة شكواك المملة وتكسبك منها“.

بشعور إرادي أو لا إرادي يتمرس البعض من الناس في التشكي والتذمر من أوضاعهم المعيشية أو الوظيفية أو الصحية أو العلاقات الأسرية البينية أمام أحد إخوانهم أو اصدقائهم أو والديهم بشكل شبه يومي ودائم دون كلل أو ملل. يزداد ويستمر وينمو هذا السلوك السيء من طرف المشتكي أمام المشتكى إليهم في حالة عدم المساءلة والاستيضاح عن طبيعة الموضوع والظروف المحيطة وملابسات المسألة والتحفيز له للمواجهة ووضع برامج حلول جذرية للخروج من تلكم المعضلة أو تخطي تلكم الشكوى. الغريب في الأمر أن ذاك الشخص، البعيد عنا وعنكم، يزداد لديه منسوب ترديد ذات الشكوى إلى مرحلة التلذذ في الفضفضة السلبية أمام ذات الأشخاص الذين يضحون بأوقاتهم للأنصات له أو يعيرون اهتمامهم للموضوع الذي يلقيه ولعدة مرات قد تتجاوز العشر مرات؛ وفي ذات الوقت، لا يشاطر المشتكي أخباره السارة الحادثة في حياته حديثا مع ذات الاشخاص الذين يلجأ اليهم في العادة لفضفضته السلبية!.

الأنكى من كل ذلك إن المنصت للشكوى ينصت وفاءاً منه للآخر تارة بعنوان الأخوة أو الأبوة أو الصداقة أو المشترك الوطني أو المشترك الديني أو المشترك العرقي أو المشترك القومي. وفي ذات الوقت يسقط المنصت حقه في إستقبال الأخبار السارة إحترامًا لخصوصية المشتكي او تحميلا منه للآخر على حسن النية او تجاوزا منه عن العتاب او ايجاد له أي تبرير عملا بالمرويات من التراث الديني الشريف «احمل أخاك على أكثر من سبعين محمل». وقد يكون فعل الحجب عن نقل الأخبار السارة ناتج عن تلذذ المشتكي في إفراغ طاقته السلبية في أذن الآخرين وجعله اياهم مكب ومردم لشحناته السلبية. هكذا وضع وتشخيص للحالة بحق مزعج جدًا وينم عن خلط في المفاهيم من طرف واستغلال لذات المفاهيم من طرف آخر. ولعل المتابع لبعض قروبات الواتس أو احاديث الديوانيات أو تداولات المجالس يجد أدلة ساطعة وبراهين قاطعة لما ذهبنا اليه من تحليل. فهناك من الناس من ديدنهم بشكل مفرط ايراد الأخبار السيئة او السوداوية او المثيرة للاكتئاب والمهالك بشكل ممطر وسريع بسرعة وكالة الانباء العالمية. وفي ذات الوقت تلاحظ الاختباء عن ادراج اخبارهم السارة التي تفيد الناس وتكون سبب في انطلاقة نوعية نحو أفق افضل. قد يكون الاخفاء يتم تارة خشية من العين والحسد وتارة تجنب من نقل التجارب الناجحة وتارة احتكار للمكاسب وتارة استفرادا بالنخبوية والتمييز كما يتخيلون.

من الجيد ان نهمس في أذن كل الأوفياء واناشدهم بان لا يجعلوا أنفسهم مكب أو مردم لفضفضة مشاعر من ديدنهم السلبية والأنانية ونشر المسخرة والرذيلة والتطفل واحداث المشاكل. نحن جميعا نعلم بان الصديق وقت الضيق ونحن جميعا نعلم بان الوفاء في الشدة هو اصدق عناوينها، ولكن يجب ان ينظر الجميع للأمور من زاويتين: زاوية حقوقك وزاوية واجباتك دونما مزايدة. فلكل انسان يريد ان يوظف اي مفهوم او قيمة او مبدأ عليه ان يوظفه على نفسه أولا قم يطالب الاخرين به. فكيف لذاك الشخص كامل الحق ان يطالب الآخرين بالوفاء له وإذا رُفع الضرر عنه تنكر لذات الأشخاص الذين آزروه. وكيف لشخص ان يطالب الآخرين باستحقاق الصداقة في شدته وهو ذاته يجحدها في رخاءه. وكيف لشخص ان يطالب من الاخرين بالاحترام من الاخرين وهو ذاته لا يحترم احد. وكيف لرجل ان يطالب الاخرين ان يقفوا بجانبه وان استوفى حاجته وبلغ مراده تناسى كل من مد يد العون له.

من الجيد ان لا ينساق الناس، لا سيما الشباب، نحو من يتاجر بالمشاعر او المفاهيم أو القيم بعناوين مختلفة ورنانة ك عنوان الوفاء والاخوة والصداقة والدين والمفاكهة البريئة والتمدن والتحضر و الامانة. و ان لا يجعلوا أنفسهم مكب نفايات للآخرين «dumpster» ممن يجيدون استغلال من حولهم. وانا اكتب هذا المقال بدافع المدارسة مع القراء والتنبيه للشباب القراء ولصنع حياة بفروق نحو الأفضل وسعي لوعي اكبر.

ولابأس أن يتعلم كل انسان ان يقول في وجه من يستنزف وقته في مالا ينفعه ويريد ان يستخدمه ك مكب: اعتذر منك لدي أعمال يجب أن أقوم بها، ثم ينصرف لشأنه.