آخر تحديث: 20 / 2 / 2020م - 11:01 ص  بتوقيت مكة المكرمة

حذف حرف النداء.. إطلالة عامة وشواهد تطبيقية

الشيخ سمير آل ربح

حرف النداء مُحَوَّل من الفعل المضارع: ”أُنادي أو أدعو“ على رأي جمهور النحاة [1] .

يقول عباس حسن: ”المنادى بمنزلة المفعول به لفعل محذوف مع فاعله «في أحد الآراء»، نَابَتْ عنهما» يا «أو إحدى أخواتها“ [2] .

وخالف مهدي المخزومي بعض النحاة حين عدَّ أداة النداء مجرد تنبيه لا غير مثل ”أَلَا“ و”ها“ التي تدخل على أسماء الإشارة، إلا أنها أقوى تنبيهًا منهما وأَدْعى لالتفات المنادى وإسماعه الصوت، ويرى أن الذي جعل النحاة العرب يقولون بأن ”يا“ النداء مُحَوَّلة من الفعل المضارع هو سيطرة نظرية العامل عليهم؛ إذ ”كانوا مشغوفين بهذا شغفًا أَبْعَدَهم عن أن يحسوا بالدلالات المختلفة لهذا الأسلوب أو ذلك، وإلا كيف يتصورون أن“ يا ”نابت مناب“ أدعو ”! ولنفترض أننا أبطلنا هذه النيابة، وأعدنا المنوب عنه إلى الكلام، فقلنا بدلًا من“ يا عبد الله ”مثلًا أدعو عبد الله، ألسنا نحس بأن هذا الكلام عادٍ ولا أثر فيه لتنبيه أونداء؟ أو لم يعد الكلام خبرًا بعد أن كان إنشاءً؟“ [3] . ولعله أخذه من ابن يعيش الذي أشار إلى هذا الرأي بقوله: ”فذهب قوم إلى أنه منصوب بالفعل المحذوف لا بهذه الحروف، قال وذلك من قبل أن هذه الحروف إنما هي تنبيه المدعو، وهي غير مختصة، بل تدخل على الجملة الاسمية...، وتارة على الجملة الفعلية“ [4] ؛ وعليه فإن المخزومي لم يأتِ بجديد في هذا.

وقد ورد حذف حرف النداء في كثير من الشواهد [5] ، ويقدر في الغالب ب» يا «دون غيره من الحروف؛ لأنها ينادى بها القريب والبعيد، ولأنها ”أكثر أحرف النداء استعمالًا“ [6] .

ولا يحذف حرف النداء إلا إذا كان المنادى معرفةً أو مضافًا، ولا يجوز حذفه عند النكرات نحو رجلُ أقبل؛ لأنه ”حذف منه أشياء، لأنه ينادى بيا أيها الرجل، فحذف منه أي وها التنبيه والألف واللام، فلا يجوز أن يحذف منه حرف النداء“، فمن حذفه وهو معرفة قوله تعالى: ”يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا“، قال الزَّجَّاج: ”معناه يا يوسف، اكتم هذا الأمر ولا تذكره“ [7] .

وقد وردت في «يوسفُ» قراءات، منها ضم الفاء، وهو رأي الجمهور، وهو منادى مبني على الضم، والتقدير: يا يُوسُفُ:

«أنادي» يُوسُفَ === «يا» يُوسُفُ === يُوسُفُ

والمنادي هو ”الشاهد الذي كان مع العزيز“، كما روي عن ابن عباس «رضي الله عنه»، وقيل إنه العزيز [8] ، وفي حذف حرف النداء ”إشارة إلى تقريب يوسف وملاطفته“ [9] ، وقد اُستبدل حذف حرف النداء بقيمة تعبيرية أخرى هي التنغيم [10] ، وهو الذي دلنا على هذا الحذف، والنغمة فيه هابطة:

النص: يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا.

نوع النغمة: هابطة.

الدلالة: الملاطفة.

وإنما كانت النغمة هابطة ولم تكن صاعدة «ولا متصاعدة»، لأن الغرض من النداء هو الملاطفة، والمناسب له النغمة الهابطة لا الصاعدة، ولو كان الغرض زجره «مثلًا» لناسب ذلك نغمة صاعدة.

والكلام ذاته يأتي في قوله تعالى: ”يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ“ [11] .

ومما حذف فيه حرف النداء قول الشاعر:

محمدُ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ

إِذَا مَا خِفْتَ مِنْ أمْرٍ تَبَالَا [12] 

وهو قول أبي طالب مخاطبًا به النبي ﷺ.

الشاهد فيه ”محمدُ“، أي: يا محمدُ.

وفي البيت شاهد آخر، وهو حذف حرف الجزم للفعل المضارع ”تفدي“، والبيت يرد في كتب النحو عادة لهذا الشاهد، وقد أنكره المبرد؛ لأنه لا يجيز حذف ”لام“ الجزم مطلقًا [13] .

ومن حذف حرف النداء والمنادى مضاف، قوله تعالى: ”رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ“ [14] ، بنصب ”فَاطِرَ“، وقد ذكر الزَّجَّاج في أنها ”تنتصب على وجهين:“ أحدهما الصفة لقوله: ”رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ“، والمعنى يا ربِّ قَد آتَيْتَنِي، وهذا نداء مضاف في موضع نصب، ويكون ”فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ“ صفة للأول، وجائز أن ينتصب على نداء ثانٍ، فيكون المعنى: يا فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، أنتَ وليِّي" [15] ، وممن ذكر هذين الوجهين أيضًا النحاس والطوسي والزمخشري [16] ، وعليه تكون أداة النداء «يا» محذوفة.

[1]  السيوطي، همع الهوامع، 2/ 32.
[2]  عباس حسن، النحو الوافي، 4/ 9.
[3]  المخزومي، في النحو العربي: نقد وتوجيه، ص 303، ويُنظر: 302 - 307.
[4]  يُنظر: ابن يعيش، شرح المفصل، 8/ 120.
[5]  يُنظر: الأنباري، الإنصاف في مسائل الخلاف، 2/ 720: ”وحذف حرف النداء كثير في كلامهم“.
[6]  ابن هشام، المغني، ص 488.
[7]  الزَّجَّاج، معاني القرآن وإعرابه، 3/ 104، من سورة يوسف: 29
[8]  القرآن، الجامع لأحكام القرطبي، 9/ 175.
[9]  الكلبي، التسهيل لعلوم التنزيل، 2/ 118.
[10]  عبد الجليل، الأصوات اللغوية، ص ص 259 - 260.
[11]  يوسف: 46.
[12]  معاني القرآن وإعرابه، الزَّجَّاج، 3/ 113.
و”تَبَالَا“ تعني الوبال، أُبدلت الواو المفتوحة تاءً، نحو: تراث، والأصل ”وراث“، وتجاه، والأصل ”وجاه“.
[13]  الأنباري، الإنصاف في مسائل الخلاف، 2/ 544، والسيوطي، همع الهوامع، 2/ 539.
[14]  يوسف: 109.
[15]  الزَّجَّاج، معاني القرآن وإعرابه، / 130.
[16]  إعراب القرآن، النحاس، 2/ 345، والتبيان، الطوسي، 6/ 199، والكشاف، الزمخشري، 2/ 478.