آخر تحديث: 28 / 3 / 2020م - 8:42 م  بتوقيت مكة المكرمة

الطاولة المستطيلة والطاولة الدائرية

المهندس أمير الصالح *

في معظم مكاتب الاجتماعات الكبرى نرى طاولات مستطيلة وفي معظم المكاتب الداخلية نرى طاولات دائرية أو بيضاوية. قد يرى البعض ان الدافع لاختيار نوع الطاولة هو المساحة المتاحة أو يحدد نوع الطاولة عدد المجتمعون عند عقد الاجتماع. الحقيقة ان الامر قد يكون في بعض مضامينه ابعد من هذا وذاك. اذا ماذا ما هو الفيصل في ذلك؟ فكر قليلا واطرح ذات السؤال عمن هم حولك، فقد تتلاقح افكار وينتج عنه تصور مبرر عمليا.

دعني اشاركك بعض ماقرأت في هذا المضمار اذا سمحت. يُقال بانه في زمن ما في بلد اجنبي، عين رئيس القضاة من احد القضاة قيادة لجنة عقد مقابلات شخصية وانتقاء موظفين جدد لصالح وزارة العدل. عقد القاضي المخول بالمسؤولية جلسة عمل حول طاولة مستطيلة. أخذ القاضي مقعده في صدر الطاولة المستطيلة وانطلق في المقابلات. لاحظ القاضي قلة التفاعل معه من قبل المرشحين الجدد للالتحاق بسلك القضاء. وتحقق من الموضوع فوجد ان المرشحون يتخوفون من التفاعل معه وانهم يشعرون بان من يجلس في صدر الطاولة يسيطر عليها ويجب ان يتماشون معه في رؤياه وأفكاره وأطروحاته ليحظون بما ينشدون. وعادة ما تنتهي المقابلات بسرعة في حالة الطاولات المستطيلة.

في الفترة المسائية من ذات نفس يوم عقد المقابلات، تصادف نقل القاضي المنتدب المقابلات الشخصية مع المتقدمين الى غرفة عمل أخرى ذات طاولة مستديرة. لاحظ القاضي وأعضاء اللجنة ارتفاع منسوب المشاركة والحوار والنقاش والتفاعل والتعبير عن وجهات النظر من قبل المتقدمين بطلبات وظيفية. وعادة ما تنتهي المقابلات بسرعة اقل في حالة الطاولات المستديرة.

بعد الانتهاء من جميع المقابلات، رفع القاضي وأعضاء اللجنة تقرير كامل الى رئيس القضاة متضمنا اقتراح منه بعقد كل المقابلات المقبلة والمستقبلية حول طاولة مستديرة. وعلى الفور رد رئيس القضاة بقرار وتعميم على جميع الدوائر الخاضعة تحت سلطته في تلكم الدولة بازالة الطاولات المستديرة من المكاتب وباجراء كل المقابلات التوظيفية والبت في القضايا القانونية والمداولات الترافعية باستخدام مكاتب مجهزة بطاولات مستطيلة وان يجلس القاضي في صدر الطاولة. انصدم القاضي صاحب التوصية وأعضاء لجنته لهذا القرار. طالب القاضي المنتدب مقابلة مدير القضاة لبحث الموضوع. وفور تلبية طلبه جلس مع مدير القضاة وبادره بالسؤال عن حيثيات قراره الأنف الذكر. فرد رئيس القضاه بالقول: نحن نعالج الموضوع من منظور توفير الوقت وتقليص عدد القضايا العالقة وانت تعالج الموضوع من منظور النقاشات المطولة والبحوث الدقيقة وهذا خلاف المؤشر الذي اعتمدناه في دائزتنا!

ومن هنا على الانسان ان كان في منصب صانع القرار ان يحدد نوع المعالجات التي يريد ان يبحثها ومؤشرات النجاح لها مع الاخرين ولا ينسى رمزية اختيار نوع الطاولة المناسبة. وان كان هو المراجع او المتقدم للوظيفة او المتابع لمطالبة ما او الباحث عن فرصة تجارية استثمارية فعليه حسن قراءة توجهات رئيس الدائرة او رئيس الشركة او رئيس الجهاز الذي سيتعامل معه ولو من خلال شكل الطاولة التي يجالسهم فيها والا يكتفي بمن يقابلهم. فالقرار النهائي لمعاملته بيد صانع القرار في الشركة وليس كاتب محضر اللقاء او منسق الطلبات أو المصدر لرقم المعاملة.