آخر تحديث: 26 / 5 / 2020م - 4:51 ص  بتوقيت مكة المكرمة

همسات صغيرة

ليلى نصرالله *

منحت نعمة كبيرة من الله إذ وهبني مجتمعاً صغيراً من الأطفال يربون داخلي ثقافة لونية ومساحة فكرية أرضها البساطة، وسماؤها التحليق في عالم كبير عاطفي جميل، أرشف منه كلما سنحت لي الفرصة لأكون أُماً ملازمة ليرعان أفكارهم اللونية وترويض قصاصات الورق التي تحت أيديهم وجرح يطهر تلك الورقة بقدسية براءتهم.

من خلال تجربتي بعالم الأطفال والجلوس معهم في عالم الألوان والاحتكاك بفنهم وتجاربهم الفنية أدركتُ كيف يعيش هذا الإنسان الصغير الذي يملكنا دائما بأحاسيسه وفنه وسعة فكره، ربما ليس هو من يتعلم منا لكن نحن الذين نتعلم منه الألوان بجاذبيتها، وسحر خطوطه، وكثيرا ما يسمو بجرأته وقداسته في العمل ومن هذا يأتي الشعور بالتقصير الأسري والبيئي تجاه هذا الملاك الذي يحاول جاهدا أن يكون موجودا، فالمنازل مهما كبرت رقاعها أو صغرت تتوفر فيها طاولات الطعام الفاخرة و«الكمبيوترات» بأنواعها والتلفاز بجديد تكنولوجيته، لكنها تظل خاوية من أي عرشٍ يخص هذا الملاك العظيم بطبعه المخملي الإحساس المتكون من وحي تربوي لنبوءة والديه وفطرته البريئة، وتكون دروسه لنا منبع نمو بنات أفكارنا؛ حيث يقدم لنا الدرس تلو الأخر، وحتى سخطه يكون درسا ليروض لنا ضجيج أفكارنا ويطوع حلولنا لأجله.

فهذا الطفل يفتقر لركن في منزله متجدد يعبر فيه عن إحساسه ويركن إليه إن غاب الحاضر القريب وتباعد العزيز ليبقى مع ذاته يرتجي منا لحظة تشعره أن لمشاعره ترجمة مختلفة؛ وهذا موقفٌ أبعد أن يفهمه أي شخص.

هذه الشمعة المضيئة التي تبعث بنورٍ يمد البيت ظلا شامخا وضجيجا يعم العالم ومن حوله عطاءً يفتقر لأبسط حق من حقوقه بشكل خاص وعام سواء كان على مستوى الأسرة أو على مستوى الوطن.

ولمثل هذا الحديث يندرج هذا الكلام وذلك عندما كنت في سفر لإحدى الدول العربية المجاورة وجدت هناك شيئا أثار الكثير من السخط الفكري والتبرم العاطفي لدي؛ إذ قارنته بحال الطفل عندنا، فهناك مراكز تقوّمه وترعاه وتعتني بشؤونه النفسية وميوله الفنية ومواهبه العقلية والتي تتيح له أن يصقل موهبته من خلال العناية بمراحل الطفل الثقافية ونمو بصيرته الفكرية من خلال اللون والعمل اليدوي ونضح الطين الطبيعي بين يديه ليطور ثقافته وعطاءه ويزداد ألقًا وتألقًا مما ينعكس على تطور ثقافة محيطه.

فهناك معملٌ خاصٌ بالطين وأدواته وأفرانه ومجسماته، وقد أدهشني منظرٌ وذلك عندما رأيت ما أنتجه هؤلاء الأطفال من خلال تلك الدورات التي امتصت الطاقة عند هؤلاء الأطفال وزادتها إيجابية، وحتى الطاقة السلبية التي يحملها بعض الأطفال تحولت إلى طاقة إيجابية فعالة من خلال انهماكهم في العمل ومراعاة القوانين بإتقان العمل وإنتاجه وحرق الطين بمهارة عالية، وتخصيص ركن للعرض؛ حيث يدرج اسم الطفل تحت عمله بخط يده البسيطة، مما يزرع الثقة في نفسه ويزيدها فخرًا.

فتعجبت لبعض منجزات الأطفال هناك التشكيلية واليدوية وصفقت يدي أسًى لحال مجتمعي الذي لا يقدس هذا الملاك ولا يرعاه فكريا مما يحد من تولد حالة الإبداع عنده منذ نعومة اظفاره. فمثل ذاك المجتمع أعتقد أنه قادر على ولادة الكثير من المبدعين في المجتمع، وهذا نقيض مجتمع لا يراعي حقوق هذا الطفل الفكرية.

ولكم أحبتي مساحة التفكير لخيالكم للتصور وإيجاد الفرق بين المجتمعين، لعله يوجد صحوة فكرية تنعش مجتمعي تجاه هذا الطفل وتتكاتف أيدينا لنكون سلم صعود يوصلنا لبحر يكون به المحار المليء باللؤلؤ النفيس، فهم الأمل، وهم الضوء لطريق مزهر، بهم نملأ أيدينا لصنع مجتمع قد أثقلنا العجز عن تقديم كل ما لدينا له، لنرمِ أفكارنا كقطرات مطرٍ على كتف الهطول حيث ما كان، فالطفل قادر على أن يقطف الأمل ويزرعه بسمة على شاطئ الحياة، فهم تاج الكلمة، وتاج البسمة والمحبة الصادقة.

فنانة تشكيلية