آخر تحديث: 6 / 4 / 2020م - 12:36 ص  بتوقيت مكة المكرمة

نصغي للحكمة ونتجنب الغثاء

حسن المصطفى * صحيفة الرياض

متشبث برغبة لا تنقطع بالحياة، المستقبل، والأمل الذي يحملنا على جناحين من نور.

القلق، الوسواس، والبكائيات التي لا تنتهي، أسعى جاهدا لأن أزيح جبالها الثقيلة عن روحي. فلا هي أنا، ولا أنا أشبهها.

أنا المزيج بين وقاية واحتراز، وإقدام وثبات. بين من يضع رجلا راسخة في الأرض، وجناحا يطلقه نحو السماء المتسعة.

يكاد الناس يفقدون صوابهم، بين أرعن لا يبالي بفيروس كورونا، وآخر قاب قوسين أو أدنى من الموت فزعا، الأول يرمي جسده بشرر، والآخر يطعن روحه برمح!

ليس لك أن تكون القتيل، وجسدك يستحق النجاة. روحك لم تزل تتوق إلى المعالي، هكذا يجب أن نكون، أن نجعل عقلنا متقدا، نتصرف بوعي، بحكمة، ونستمع لما يقول أهل الاختصاص في الصحة والعلوم، دون أن نتحول إلى ذلك الكائن الذي شل الخوف روحه وذهنه.

لا تضرب برجلك في الأرض، مستهترا، ولا ترمِ ذاتك في جحيم الريبة مستعرا.

قد تكون وسائل التواصل الاجتماعي، نعمة، في تقريبها بين الأحباب، وتزويدها إيانا بكثير من الفوائد، إلا أنها جرفت لنا مع النهر الكثير من الجثث النافقة، والإشاعات، والخرافات والقلق.

قليل هم من في هذا العالم الافتراضي، تصرفوا بشيء من الحكمة والمسؤولية.

رغم أنهم لم يكونوا على موعد، ولم يكن هنالك مخطط متفق على تفاصيله بينهم، إلا أن ظهورهم كان يحكي التناغم: خالد اليحيا، ياسر حارب، محمد الحاجي.

الثلاثي الذي انطلق من الرياض، دبي، فيلادلفيا؛ ربما يكون من القلائل على شبكات التواصل الاجتماعي، الذي عمل بمهنية وحرفية وعلمية، على تقديم محتوى مميز، جذاب، رشيق، مشتغل عليه بعناية ودون عجلة، عالجوا فيها، كلٌ من زاوية مختلفة موضوع فيروس كورونا.

اليحيا ذهب بالمستمع لبودكاست «قبس» نحو التاريخ، حيث معاناة العلماء مع الوسط المحيط، وكيف أن الممانعة المجتمعية موجودة حتى بين أوساط الأطباء وطبقة النبلاء، فيما حارب تحدث بلغة الناصح المحذر من الاستهتار بكورونا، متناولا حقائق علمية عن الفيروس الذي كسر الحدود بين البشر، الحاجي من جهته، سعى لأن يقدم قراءة نفسية - اجتماعية لسلوك الناس في وقت الأوبئة والأزمات.

الجهد أعلاه، لم يكن مجرد ثرثرات، كما يمارس أغلب «نجوم السوشال ميديا». بل هو عمل منهجي، قائم على العلم والرصد والتحليل، بعيدا عن الدعاية المضللة، أو المعلومات التبسيطية التي هي أقرب للتهريج منها لأي شيء آخر.

كثير مما ينشر في الشبكات الاجتماعية، هذه الأيام، وتحديدا باللغة العربية، من الأجدى إشاحة النظر عنه، هو نوع من «الغثاء» الذي يثير الاشمئزاز، ولا يساهم البتة في صناعة وعي مجتمعي، أو منح الأفراد الروح المعنوية العالية وحس المسؤولية التي يواجهون بها الأزمات.

من أجل عشقنا للحياة، وتشبثنا بالبهجة والفرح والمستقبل، سنبقى في منازلنا، مع أحبابنا وكتبنا وأفلامنا وموسيقانا الأثيرة، سنأخذ حذرنا، وسنستمع لصوت الروح العذبة في دواخلنا، والحكمة التي تنبع من العقل والخبرة والعلم المتقد، وفقط!