آخر تحديث: 3 / 7 / 2020م - 7:54 م  بتوقيت مكة المكرمة

كورونا البعد اللغوي ”3“

صراع المصطلحات: ابتعاد اجتماعي أم جسدي؟

كلُّ الأزمات، كالحروب والصرعات والجوائح التي تدوم طويلًا تخلق واقعًا جديدًا، وفي هذا الواقع الناتج للغة حظٌ فيه، يكبر ويصغر حسب سعة لسان أصحابها، حيث أنها أداة نقل المفاهيم وتبادلها فتخلق مفردات جديدة، أو تمنح معانٍ جديدة لمفردات متداولة، لتعبر عن مستجدات الحدث الجديد، فتصبح جزءًا من الخطاب الجمعي في مجتمع ما وربما يخرج خارج حدوده حين تجد هذه المفردات والعبارات طريقها إلى الإعلام، بوسائله المختلفة، المرئية والمسموعة والمقرؤءة، عندها تستوطن هذه المفردات في المعجم الذهنى «mental lexicon»، للأفراد، وهو مجموع ما يستعملوه، أو يفهموه حين يسمعوه أو يقرأوه، ثم لاحقًا، تدخل في كتب المعاجم اللغوية ««language dictionary التي يقوم المختصون برصد الكلمات الجديدة وتدوينها.

في الأزمة العالمية القائمة، المعروفة بوباء كورونا، من بين المفردات المستجدة، أصالة أو معنًا، تحضر كلمة ”كورونا“ ذاتها، مع عزل/عزلة/ اعتزال «insulation»، عزل ذاتي «self insulation»، إبتعاد/إبعاد اجتماعي، «Social Distancing»، حجر صحي «Quarantine»، حَضْر «Ban, banning»، منع التجول «Curfew»، تسطيح المنحنى «Flat Curving, Flatting of the Curve»، وغيرها كثير.

تناولت في الجزء الثاني مفردة ”كفديو“ «Covidiot» الشعبية، وفي هذا الجزء «الثالث» أتناول مفردة مهمة جدًا، وهي لأهميتها وخطورتها في آن، وللجدل الذي ثار حولها، كدليل على الصراع اللغوي، التي تطرقت إليه في الجزء الأول، من خلال ”حرب المصطلحات“، الذي هو أحد آلياته أو/و انعكساته.

الإبتعاد اجتماعي «Social Distancing»

في الأصل هو ”المسافة الاجتماعية“ «Social Distance»، مصطلح مركب لمفهوم متداول

في علمي النفس «Psychology»، والإنسانيات «Anthropology». معرفتي بهذا المصطلح جائت في قرائتي لبحث لأستاذي جون شومان في جامعة كاليفورنيا، لوس أنجليس، ورئيس قسم اللغويات التطبيقة، في مرحلة تحضيري للدكتوراة. الدكتور شومان نشر بحثا في عام 1976، في مجلة تعلم اللغة «language Learning»، بعنوان ”دور المسافة الاجتماعية في تعلم اللغة الثانية“ ويقصد به شعور الشخص بأن وضعه الاجتماعي متشابه نسبيًا أو مختلف نسبيًا عن الموقف الاجتماعي لشخص آخر. تؤثر المسافة الاجتماعية بين مجموعتين أو مجتمعين مختلفين على التواصل بينهما، وقد تؤثر على الطريقة التي تتعلم بها مجموعة ما لغة مجموعة أخرى، على سبيل المثال، مجموعة مهاجرة تتعلم لغة المجموعة المهيمنة في بلد ما.

قد تعتمد المسافة الاجتماعية على عوامل عدة، مثل الاختلافات في الحجم، والأصل العرقي، والوضع السياسي، والوضع الاجتماعي لمجموعتين، وقد تمَّ تناولها في ”بحوث اكتساب اللغة الثانية“ «Second Language Acquisition Research»، وعلى هذا المفهوم طور الدكتور شومان ”فرضية التهجين“، «Pidginization Hypothesis»، وتطورت مع السنين والبحث المتواصل إلى ”أنموذج التثاقف“ «Acculturation Model»، ثم إلى ”نظرية التثاقف“ «Acculturation Theory».

تقوم النظر ية على مفهوم التثاقف Acculturation»، وهو عملية تحدث فيها تغييرات في لغة وثقافة ونظام قيم المجموعة من خلال التفاعل مع مجموعة أخرى مع لغة وثقافة ونظام قيم مختلف. على سبيل المثال، في تعلم اللغة الثانية، قد يؤثر التثاقف على مدى تعلم مجموعة «مثل مجموعة المهاجرين في بلد ما» لغة مجموعة أخرى «مثل المجموعة المهيمنة «. وهذه النظرية تفسر أيضًا ما يجري على الأفراد كما في حال المجموعات.

التثاقف يبدأ بالاندماج التجريدي حتى يصل، في بعض حالاته إلى حد الاستيعاب «Assimilation»، وهو عملية تتخلى فيها المجموعة تدريجيًّا عن لغتها وثقافتها ونظام القيم الخاص بها وتتعامل مع تلك الخاصة بمجموعة أخرى لها لغة وثقافة ونظام قيم مختلف، خلال فترة من التواصل اللغوي.

فمفهوم واصطلاح المسافة الاجتماعية، آت من علم النفس وعلم الانثربولوجيا «ثم علم الاجتماع»، وعلم اللغة التطبيقي، ثم علم اللغة السياسي. لكن في أزمة كورونا استخدم بصورة الفعل، وليس الاسم، وأول من استخدمه الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون. فالتقطه الاعلام الفرنسي ثم العالمي، مرورًا بالأوروبي والأمريكي.

ما هو التباعد الاجتماعي؟

في حين أنه قد يكون من المخيب للآمال أن نسمع أنه تم إلغاء العديد من الأحداث الرياضية والرحلات البحرية والمهرجانات والتجمعات الأخرى، الدينية وغيرها، إلا أن هناك سببًا للصحة العامة لهذه الإجراءات. تساعد عمليات الإلغاء هذه في إيقاف انتشار المرض أو إبطائه مما يسمح لنظام الرعاية الصحية بالعناية بالمرضى بسهولة أكبر بمرور الوقت.

يُعد إلغاء الأحداث التي من المحتمل أن تجتذب الحشود مثالًا على التباعد الاجتماعي. يؤدي التباعد الاجتماعي إلى زيادة المسافة المادية بين الأشخاص عن عمد لتجنب انتشار المرض. البقاء على بعد ستة أقدام على الأقل «أو مترين» من الأشخاص الآخرين يقلل من فرص الاصابة ب COVID - 19.

أمثلة أخرى للمسافة الاجتماعية التي تسمح بتجنب الأماكن المزدحمة هي:

* العمل من المنزل بدلاً من المكتب

* إغلاق المدارس أو التحول إلى دروس عبر الإنترنت

* زيارة الناس عن طريق الأجهزة الإلكترونية وليس شخصيًا

* إلغاء أو تأجيل المؤتمرات والاجتماعات الكبيرة

تباعد اجتماعي أم تباعد جسدي؟

رغم شهرة مصطلح ”التباعد الاجتماعي“ إلا أن كثير من الكنديين، وهم على دراية جيدة به، إلا إنهم من البداية فضلوا بل وأصروا على استخدام ”التباعد الجسدي“ أكثر فأكثر، لمساعدة الناس على فهم ما يحتاجون إليه للمساعدة في منع انتقال فيروس كورونا «COVID - 19»

قال الدكتور جيف كوونج «Jeff Kwong»، اختصاصي الأمراض المعدية والأستاذ المساعد في قسم طب الأسرة والمجتمع في جامعة تورنتو، ”لقد بدأنا بمصطلح“ التباعد الاجتماعي ”وأعتقد أن بعض الناس لم يفهموا تمامًا ما يعنيه ذلك، وكانوا قلقين من أنه قد يسبب عزلة اجتماعية“. لذا شعرنا أنه ربما يجب علينا حقًا استخدام مصطلح ”الإبعاد الجسدي“، لأنه يتعلق حقًا بالتفرقة الجسدية، أمَّا من الناحية الاجتماعية نحتاج إلى التماسك معًا - ولكن بطريقة افتراضية فقط“.

وأضاف الدكتور كوونج أن الناس ”يجب أن يحافظوا على مسافة تجمع المعكرونة“ عن الآخرين عندما يكونون في الأماكن العامة، وينخرطون في أفضل الممارسات الصحية مثل غسل اليدين، السعال أو العطس في المرفقين/ وعدم لمس وجوههم.

وقال كريستيا فريلاند «Chrystia Freeland» نائب رئيس الوزراء الكندي، في مؤتمر الصحفي، ”فإن الابتعاد الجسدي“ يعني البقاء داخل منزلك ما لم تكن بحاجة إلى المغادرة للعمل أو شراء البقالة.

وقالت الدكتورة سوزان سيكيا «Suzzane Sicchia»، الأستاذة المشاركة في المركز متعدد التخصصات للصحة والمجتمع في جامعة تورنتو سكاربورو، ”يجب تجنب الرياضات الجماعية والتواصل، بالإضافة إلى اللعب الوثيق مع الآخرين، وجميع أشكال الاتصال الجسدي الأخرى «كالمصافحة، والمعانقة»“

قالت Sicchia أن الحفاظ على الاتصالات الاجتماعية مهم خلال هذا الوقت، ولا يزال بإمكانك القيام بذلك فعليًا. يمكن أن يساعد استخدام برامج مثل Skype وZoom وFaceTime العائلة والأصدقاء على البقاء على اتصال ودعم بعضهم البعض.

قالت الدكتورة سيكيا إن مكافحة تفشي COVID - 19 هو شيء يحتاج الجميع إلى المشاركة فيه. وقالت إن البشر كائنات اجتماعية، لذا من المهم أن نفكر في واجبنا الجماعي لمساعدة بعضنا البعض على تجاوز ذلك. وأضافت الدكتورة سيكيا: ”نريد ونحتاج إلى تشجيع أشياء مثل التضامن الاجتماعي والتعاون الاجتماعي والمسؤولية الاجتماعية [.....] تحويل لغتنا من «التباعد الاجتماعي» إلى «التباعد الجسدي» هو محاولة من قبل البعض لالتقاط كل هذا والتواصل بشكل أوضح“.

موقف الكنديين من استخدام المصطلح مكان المصطلح هو متميز من ناحية انسانية واجتماعية، لكنه قد يعكس تمردًا على هيمنة لغوية آتية لهم من خارج كندا، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا.

ونظرًا لتزايد الضغوط «السياسية والأكاديمية» بدأت منظمة الصحة العالمية في استخدام عبارة ”الابعاد الجسدي“ بدلا من ”الابعاد الاجتماعي“ كوسيلة لمنع انتشار الفيروس التاجي الجديد من البشر إلى البشر، وهي خطوة رحب بها الخبراء على نطاق واسع كخطوة في الاتجاه الصحيح. في إحاطة إخبارية يومية يوم 20 - مارس - 2020، قال مسؤولون في هيئة الصحة العالمية في حين أن الحفاظ على مسافة جسدية كانت ضرورية للغاية وسط الوباء العالمي، ”هذا لا يعني أنه علينا اجتماعيًّا أن ننفصل عن أحبتنا وعوائلنا“.

رحب مارتن دبليو باور، أستاذ علم النفس الاجتماعي ومنهجية البحث في كلية لندن للاقتصاد، بتغيير منظمة الصحة العالمية في المصطلحات، قائلاً إنه ”طال انتظاره“. وقال باور في مقابلة تلفزيونية: ”لقد حدث لي منذ البداية أن هذا كان خيارا مؤسفا للغة للحديث عن «المسافة الاجتماعية»، بينما كان المقصود في الواقع «المسافة الجسدية». وأوضح أن المسافة المادية تقاس بالأمتار أو السنتيمترات. إنها المسافة الجغرافية من الشخص أ إلى الشخص ب بينما «المسافة الاجتماعية» هي قياس المسافة عبر الحدود الاجتماعية“.

وقال باور إنه من المهم التفريق بين المصطلحين. وقال: ”من الجيد أن منظمة الصحة العالمية حاولت أخيرًا تصحيح خطأ مبكر في خطأ المسافة الجسدية للمسافة الاجتماعية“. ”في هذه الأوقات الغريبة من الفيروس، نريد مسافة جسدية واضحة «مترين على الأقل»، ولكن في نفس الوقت، نريد أن يبقى الناس على مقربة من بعضهم البعض «اجتماعيَّا».“

يبدو هزيمة مصطلح ”الابتعاد الاجتماعي“، واضحة، رغم أنه أخذ زخمًا من عدة جهات مؤثرة «صحية، وسياسية، واعلامية، حتى تخصصات أكاديمية». لكن لا زال يُتَداول على نطاق واضح في الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي حتى لحظة كتابة هذا المقال. هل هي معركة في حرب، لم يستسلم فيها بعد؟ وسيعود بعد أن يتعافى ويعد العدة لجولة قادمة؟. زوالُه، أو بقاؤُه نِدًا في آن واحد لمصطلح منظمة الصحة العالمية، «التباعد الجسدي»، وإن تقاسما مكان الاستعمال ومناسبته، ظاهرة لغوية تستحق الإطلالة عَليها في قادم الأيام.

يتبع...

تاروت - القطيف