آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 2:32 م

كورونا.. الدم

محمد أحمد التاروتي *

وجدت مناشدة مستشفى القطيف المركزي، للتبرع بالدم استجابة سريعة وكبيرة، من لدن مختلف الشرائح الاجتماعية في غضون ساعات قليلة، خصوصا وان الهدف السامي للتبرع بالدم، يدخل ضمن مكافحة جائحة كورونا، الامر الذي يسهم في انقاذ الأرواح، ومساعدة المرضى على الخروج من محنة المرض.

المعاني الأخلاقية لمبادرة التبرع بالدم، لا تقتصر على الثواب الجزيل في المساهمة، في انقاذ الأرواح، والمساهمة في تقديم قطرات، لزيادة المخزون الاستراتيجي في بنك الدم، وانما تكمن المعاني الأخلاقية في المدلول الفلسفي، لمثل هذه الاستجابة السريعة، وبالتالي فان القراءة المعنوية للاستجابة الجماعية للمناشدة، لا تقتصر على الجوانب العقدية لمبدأ التبرع، وكذلك الجوانب العاطفية، في التحرك باتجاه التبرع بالدم، فهناك جوانب عميقة تنطلق من المبادئ الأخلاقية، ومنظومة القيم الدينية الحاكمة.

مبدأ التعاضد، يمثل احد المنطلقات الفلسفية، لترجمة عملية التبرع بالدم، خصوصا وان الإحساس بالمصير المشترك، ووحدة العيش المشترك، تدفع نحو تجسيد مبدأ الوحدة الاجتماعية، وتدعيم التماسك الداخلي، بحيث يترجم على شكل العديد من الممارسات الخارجية، بعضها ذات طبيعية ملموسة، والبعض ذات ابعاد معنوية، خصوصا وان ”صدقة السر“ تمثل محركا لدى البعض، في تجسيد مفهوم، ”الجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعى له الجسد بالحمى والسهر“ وبالتالي فان محاولة تحجيم عملية التبرع الدم، ضمن المفهوم الضيق، بمثابة اجحاف بالمعاني الفلسفية الكثيرة، التي تتضمنها مثل هذه المبادرة الاجتماعية.

العطاء بأسمى صور يتجلى في التبرع بالدم، فالعملية ليست في قطرات قليلة، بقدر ما تتمثل في المشاركة الجسدية، في عنصر حيوي يمد الانسان بالحياة على الدوام، وبالتالي فان وجود قطرات في الجسد الاخر، يعطي رسالة واضحة بالمشاركة في الحياة، والعمل على التشارك في الاحتياجات الخارجية، وكذلك الاستعداد للتبرع بجزء من الجسد، في سبيل استمرارية الحياة للاخرين، خصوصا وان قطرة دم قادرة على تغيير مسار بعض المرضى، ومنع الانزلاق في اتجاهات غير محمودة.

تجربة التبرع بالدم مثال واحد، ضمن عشرات الأمثلة الحية، التي كشفتها جائحة كورونا، فقد أخرجت الازمة المعادن الصافية للمجتمع، في التعامل مع الامتحان الصعب، فتارة عبر الاستجابة السريعة لنداء الضمير الإنساني، وتارة لترجمة المبادئ الأخلاقية، عبر الكثير من الاعمال التكافلية، وبالتالي فان الممارسات الأخلاقية انعكاس حقيقي للمنطلقات الفكرية، ذات الابعاد الثقافية المتعددة، لاسيما وان القناعات الفكرية تلتقي عند ”احترام النفس البشرية“، مما يعني ان جميع التحركات الإنسانية تسعى لهدف مشترك، لاسيما وان الازمات الصحية او الاجتماعية، تكشف المستوى الأخلاقي، وتعري الكثير من المفاهيم والشعارات، التي كانت تتردد على بعض الالسن بشكل مستمر.

وجود ثقافة المبادرة نحو التشارك الشامل في الازمات الكبرى، عنصر أساسي للخروج من التحدي باقل الخسائر، فالتعاون المشترك يولد القوة ويحدث اثرا كبيرا في النفوس، مما يسهم في تسريع الخطوات لتجاوز الصعاب، لاسيما وان التحرك الفردي يقضي على المعنويات، ويزيد من الخسائر على المستوى الجمعي، ”الشاردة للذئب“، فيما التحرك الجماعي يزيل جميع العراقيل من الطريق، ”يد الله مع الجماعة“، و”تعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان“.

كورونا يشكل تحديا كبيرا للمنظومة الأخلاقية، وكذلك المرتكزات العقدية، لدى المجتمعات البشرية، فهناك بعض المجتمعات تهاوت، وسقطت في الامتحان سريعا، مما انعكس على الاليات المتبعة في طريقة التعامل مع المرضى، الامر الذي ساهم في تدهور الأمور بشكل فظيع، بحيث تجلى في تزايد الضحايا في غضون فترة قصيرة، فيما تجلت المبادئ الإنسانية والأخلاقية لدى بعض المجتمعات البشرية، بحيث برزت في العطاء المستمرة في سبيل انقاذ الأرواح، من براثن الفيروس القاتل.

بكلمة، لا ينبغي النظر لعملية التبرع بعيدا عن السياق الأخلاقي، والمنظور الفلسفي في تشكيل منظومة اجتماعية جامعة، وبالتالي فان الانطلاق من المبادئ الأخلاقية، يسهم في إيصال الرسالة المجتمعية بصورة واضحة، خصوصا وان الاقتصار على الاطار المحدود، يسلب عملية التبرع بالدم معانيها الكبرى.

كاتب صحفي