آخر تحديث: 28 / 10 / 2020م - 6:09 م

مع شخصيات الفكر والأدب - الأستاذة رباب النمر «2»

ناصر حسين المشرف *

بعد أن تعرفنا في الحلقة الأولى من مبادرة ناصر حسين المشرف «مع شخصيات الفكر والأدب» على السيرة الذاتية للشاعرة والكاتبة الأستاذة رباب حسين النمر.

تعالوا إلى حوار ممتع نتعرف على بداياتها الشعرية والكتابية، وروافد الإبداع في شخصيتها، والأشخاص المحفزين الذين كان لهم دورٌ كبيرٌ في مسيرتها.

ناصر: تشكل مرحلة البدايات نقطة مفصلية في حياة المبدع، فمنها ينطلق وإليها يعود. فهل لك أن تحدثينا عن شغف تلك المرحلة وجماليات الاكتشاف خلالها؟

الشاعرة رباب: شيء ما، مُخبّأ في نفس المُبدع، يولد وفي كل خليّة من خلاياه طاقة ما، واستعداد ما، واهتزاز يتفاعل مع الكون من حوله، ينتشي حين يرى الجمال، ويطرب حين تتجوّل عيناه في ألوان الطبيعة ومفرداتها، وينجرح عندما يداعبه الحزن. هذه المُحرِّكات والحوافز الفعّالة لديه تجعل فؤاده في اضطراب، وعضلات أنامله في اندفاع لامتشاق القلم والصهيل في ميدان الأوراق.

هذا الاستعداد، وهذه البذور الخيّرة تُعطي كلما سقيناها وزوّدناها بالرّواء. ومعلوم أن الكتابة والقراءة فعلان متناوبان. بدأت أعشق القراءة مُذ داعبت الحروف ناظريّ، ولم أصل إلى الصفوف العليا الإبتدائية حتى بدأت الإرهاصات، وتفتّقت مرحلة البدايات.

أما الكتابة الناضجة فهي ولادة ثانية تحتاج فعلا الى تطوير ذات، وإلى كفاءة، ومتابعة للساحة الأدبية، ومِران لا ينتهي حتى النّفَس الأخير، ومتى ما انقطعت خفّ وهج الكتابة.

وحين نوغل في سرد الذكريات أجدني طفلة تدندن ببعض الأبيات في سطح الدار أثناء اللعب مع المجموعة، وتبتكر ألعابا جماعية على شرف دندناتها، وتهتم بكتابة العبارات الجميلة في دفاتر الذكريات التي دأبت تلميذات المرحلة المتوسطة على تبادلها، وكذلك التعبير الصادق والمشحون بالعواطف في بطاقات الإهداء.

وبدأ مشوار القراءة مع سلسلة قصص المكتبة الخضراء، التي حرصت على اقتنائها كاملة، ومجلة ماجد التي كنت أحرص على شرائها كل يوم أربعاء، ثم سلسلة كتب بنت الهدى.

ناصر: هناك روافد، وأشخاص لهم فضل في دعم المبدع وتشجيعه، ومساندته بالرأي، فمن كان يقف خلف اكتشاف موهبتك ودعمها؟

الشاعرة رباب: أحيانا تكتشف ذاتك بذاتك، وترفد هذا الاكتشاف تعليقات من حولك، وهنا يبرز دور المعلم والمعلمة، وتشجيعهما لمواهب المبدعين، وإتاحة الفرصة لهم حتى يمارسوا مايقوي موهبتهم، وهنا يشرفني أن أذكر أشخاصاً لهما بصمات دفعتني إلى الأمام، أولهم والدتي الكريمة التي آمنت بكل ما أكتب مذ بداية المسيرة، وشجعتني حين كان كثير من البسطاء في المجتمع يقابلون ما أكتب بالنكران، وبأن ذلك منقول، أو شخص آخر قام بكتابته، وكنت أرى أن ذلك شأنهم، وأن ما أكتب هو بقلمي لاغير، صدقوا أو لم يصدقوا.

ثانيهما: معلمة اللغة العربية بالثانوية العامة التي كانت دائما تعلق على تحليلي للنصوص ومشاركاتي في الصف بحملة تحفيزية إعجابية، إيجابية «لا غرو! إنك شاعرة».

ثالثهما: الدكتور عمر الأسعد في المرحلة الجامعية الذي تولى تدريسي مواد أكاديمية سكبت بالداخل، وعلمني أن لا أقدس الحرف المكتوب في أسطر الكتب، بل أزنها بالموازين المنطقية، وهو الذي منحني توصيات أتاحت لي مواصلة الدراسات العليا، رابعهم الشاعر جاسم الصحيح الذي نصحني في بداياتي التي انطلقت في أدبية شبكة هجر بقوله «كوني أنتِ، ولا تكوني أحدا آخر» حيث منحني مفتاح التفرد، وبداية أن تضع لنفسك ولأسلوبك بصمة بها تْعرف.

وثمة دعم وتحفيز من حبيبين إلى القلب كان لهما أثر كبير داعم بشتى الأشكال والصور هما: والدي، وزوجي.

وثمة فارس من وراء الكواليس دفعني بقوة إلى المشاركة في عالم الإنترنت عموما وشبكة هجر الثقافية إيمانا بقلمي، ومن ذلك انفتحت أمامي الآفاق، فألف شكر للعضيد، توأم الروح.

ناصر: بعضهم يجدها ماء حياته، لا يعيش لو لم يقتاتها، وبعضهم يجدها هواء، لا يتنفس دون استنشاقها، فأين تجد «الشاعرة والكاتبة رباب» نفسها من الكتابة؟ أو أين تجد الكتابة من نفسها؟

الشاعرة رباب: الكتابة حقل نيلوفر، أو بستان نخيل، نهرٌ جارٍ يغتسل فيه القلب، مُتنزّه أقصده فيريحني من إرهاق الحياة، والأتعاب اليومية، ومن هموم النفس.

الكتابة حبيبة القلب، وصديقة الفكر، ووجدان الروح، أجدني فيها وأجدها بي.

هي تفاعل مع الذات، ومع المحيط، ومع كل حدث ترك في قلبك أثرا وتحول إلى هاجس يقلقك، فتجد في داخلك ما يشبه التيار الكهربائي الذي يكفي لإضاءة شيء ما، يخرج من داخلك نورا تطرحه في شكل أحرف وكلمات تتلاحم لتشكل نصا كتابياً مهما كان شكل القالب الذي اتخذه.

الكتابة ليست وليدة اللحظة، ولكنها نتيجة لسلسلة من التراكمات المعرفية، والمخزون الثقافي والقرائي الذي ينصهر لحظة التدفق الكتابي، وينعجن بتجربتك الخاصة، وذاتيتك، وأسلوبك فيخرج كل ذلك في شكل نص هو أنت، ذلك الكائن الجديد المعجون من توليفة من كل ما سبق لك أن قرأته، وامتصصته، حتى اندك في طبقات فكرك التكوينية.

وهذا يجرني إلى ذكر المكتبات التي عملت على بناء الطبقات الجيولوجية في بنائي المعرفي، أولها مكتبة والدي، ثم مكتبات أعمامي، فأحدهما شاعر، والآخر مهندس معماري ومثقف وهاو للآداب والفنون والخط العربي، ثم الغزوات المعرفية التي قمت بها في مكتبات الحي القابعة في بيوت الأقارب، والمعارف، فلم أترك مكتبة في الحي إلا زرتها، وقمت بمسح شامل لمحتوياتها، واستعارة ما يروق لي منها، ثم الزيارات الكثيرة للمكتبات التجارية في المنطقة التي يقصدها طلاب العلوم، على الرغم من حياء امرأة تقصد أماكن مزدحمة بالرجال، ولكن البغية تتوافر هناك، كانت تلك المكتبات في سيهات والقطيف لها احترام خاص، فقبل الدخول إلى حرمها «اخلع نعليك» وسر على سجادة راقية، هناك كنت أقف جنبا إلى جنب المعممين ورجال الدين خلف والدي لاقتناء ما يروقني من الكتب، وكانت تلك نواة البداية لتأسيس مكتبتي الخاصة.

ولا أنس المكتبات التجارية الشهيرة في الخبر والدمام حيث تزودت منها بالكثير، إلى جانب الاستفادة من المكتبة الجامعية بكلية الآداب، ومكتبة أرامكو.

وفي العاصمة الرياض واصلت قصد المكتبات متمثلة في مكتبات بعض المثقفين، ومكتبة جامعة الملك سعود بعليشة، ومكتبة الدراسات العليا، ومكتبة الملك عبد العزيز العامة، ومكتبة الملك فيصل، إلى جانب المكتبات التجارية المعروفة، والتجول في معارض الكتاب ولاسيما في كل من الدمام، والبحرين، والرياض.

وفي أي مكان أسافر إليه لابد أن أقصد مكتباته الشهيرة.

ناصر: رحلة الدراسة الأكاديمية مرحلة نور، وإضاءات في حياة المبدع، فهل من تنقلات عاضدت تلك الفترة؟ وما هي حصيلتها؟

الشاعرة رباب: من جامعة الدمام «حاليا» كلية الآداب «سابقا» بدأت رحلة التحصيل الدراسي الأكاديمي، وانتهت ممهورة بشهادة البكالوريوس مع مرتبة الشرف، وعبرت إلى محافظة «سيهات» في دراسة مكثفة انتهت بدبلوم رياض أطفال تربوي، ثم سارت خطوات إلى حيث العاصمة «الرياض» نحو أعرق جامعات المملكة للمضي قدما في سبيل نيل درجة الماجستير في الأدب والنقد «فرع أدب الطفل».

مع أمل بإكمال مسيرة التعليم التي لا تتوقف عند حد إلى جهة علمها عن الله وحلم بنيل درجة الدكتوراه لاحقا.

ناصر: ثمة أحجار تقف في طريق المبدع، وصخور تحديات تناوره عن التقدم، فأي العراقيل وقفت في طريقك وكيف واجهتها؟

الشاعرة رباب: تمثلت الصعوبات في إيصاد بعض الأبواب أمامي من قبل إدارات بعض المحافل العامة، وعدم إتاحة الفرصة أمامي في مرحلة البدايات، كان ثمة إحباط ووجع لكونهم لم يطلعوا على الإنجازات، وحكموا دون تجربة.

دفعني ذلك إلى تأسيس احتفال للأطفال كون هذه الشريحة مهملة من قبل المجتمع، ولا يوجد خطاب خاص موجه إليهم، فعرضت الفكرة على بعض الأقارب، ففتحوا لي قلوبهم وبيوتهم، ومع أبنائهم وبناتهم كان عصرا ذهبياً، كنت أكتب التقديمات والمشاهد وأتولى مع مجموعة من الفتيات التدريب والإخراج، أنتجنا معا مشاهد تمثيلية، وأناشيد، ومسابقات، فذاع صيت الاحتفال حتى بدأت الأمهات يقصدنه، ليتفرجن على لوحات لم يشاهدنها من قبل.

وهكذا تحولت الصعوبات إلى مصدر إلهام وإنجاز، وعمل وتطلع للأفضل.

ولم تكن هناك بعد سبل مفتوحة أمامي للتواصل مع المحافل الأدبية العامة التي تقيمها النوادي الأدبية، وجمعيات الثقافة والفنون أو سواها من الفعاليات الثقافية لما لها من دور في تطوير المبدع والارتقاء به، وفتح الآفاق أمامه، وربما سدت السجالات الأدبية والنقاشات التي تدور في أدبية هجر بعض هذه الثغرات، أضف لذلك الحصول على إصدارات الأدباء والشعراء من حولي، وكنت أكتفي بما أجده في المكتبات التجارية، أو سواها.