آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 1:49 م

نقاط سوداء

محمد أحمد التاروتي *

فيما رفعت جائحة كورونا من شأن القطاع الصحي، وزادت اسهم القطاع البلدي والاجهزة الامنية، فانها تركت نقاطا سوداء على بعض صفحات القطاع التجاري، حيث كشر بعض التجار عن انيابه سريعا، بمجرد دخول الازمة مرحلة المواجهة الشاملة، اذ سارع لافتعال بعض الازمات في السوق، عبر تعطيش المراكز والمحال من بعض السلع الأساسية، تارة بشعار عدم وجود مخزون قادر على تغطية الطلب المحلي، وتارة اخرى بممارسة الاحتكار المعتمد لرفع الاسعار بشكل جنوني.

الرغبة في استغلال الظرف الراهن ينم عن قدر كبير من الانحطاط الاخلاقي، والاستيلاء على الموارد المالية للمواطن بصورة غير شرعية، لاسيما وان عملية افتعال الازمات تعطي انطباعات سلبية عن الخلفية الثقافية، التي تحملها هذه الشريحة الاجتماعية، ”كل اناء بالذي فيه ينضح“، بحيث وضعت أزمة كورونا الجميع خلال الأيام، امام المسؤولية التاريخية والوطنية في الوقت نفسه، خصوصا وان الجائحة ازاحت الكريمات التي تغطي تشوهات بعض الوجوه، التي تخفيها - التشوهات - بصورة احترافية في الفترة الماضية، فالمرء يستطيع اكتشاف المعادن الثمينة في الأوقات الصعبة، حيث ساهمت الازمة الحالية في اطلاق الكثير من المبادرات الاجتماعية، مما انعكس بصورة مباشرة او غير مباشرة في تخفيف الأعباء المالية على الكثير من الشرائح الاجتماعية، بينما في المقابل سعت بعض الأطراف الانتهازية لادخال المجتمع في ازمة مع بعض السلع الأساسية، خصوصا وان هذه السلوكيات غير الأخلاقية تمثل ظاهرة خطيرة ليست على الصعيد الاجتماعي، وانما على المستوى الثقافي الفردي، والجمعي.

النقاط السوداء التي شوهت الصفحة البيضاء لقطاع التجاري في الفترة الأخيرة، بحاجة الى كم وافر من ”المبيضات“ لإزالتها من اللاوعي الاجتماعي والثقافة الجمعية، خصوصا وان الممارسات المتعددة خلال الأسابيع الماضية، شكلت قناعات اجتماعية راسخة بوجود تحركات استغلالية من لدن بعض الأطراف، بهدف افتعال أزمات غير حقيقية، فيما الجميع يتحرك بأقصى قوة للتعامل المسؤول مع التحدي الكبير، الامر الذي يضع بعض التجار والمجتمع في مواجهة مباشرة، نظرا لاختلاف التوجهات والمبررات بخصوص الثقافة الانتهازية غير المبررة، بمعنى اخر، فان محاولة إعادة الثقة بين الطرفين تتطلب خطوات حقيقية وصادقة، بهدف تعزيز الموثوقية ومسح الصورة السيئة، التي يحملها العقلي الجمعي تجاه بعض التجار.

ازمة كورونا قادرة على فضح الكثير من القناعات الزائفة، فالازمة شكلت اختبارا حقيقيا لتلك الآراء، من خلال ترجمتها على ارض الواقع، وبالتالي فان استمرار ازمة كورونا وضع بعض التجار امام خيارين لا ثالث لهما، أولهما تغليب المصالح الشخصية والثاني تفضيل المصلحة المشتركة، بحيث أفضى الاختبار العملي في رسوب البعض في الامتحان، فيما استطاع البعض الاخر تسجيل العلامة الكاملة منذ اليوم الأول لبدء جائحة كورونا، خصوصا وان الثقافة تمثل المحرك الأساس وراء انتهاج الطريقة المناسبة، للتفاعل مع الازمات الاجتماعية، فهناك من يتخذ المسار ”الاناني“ والاستغلالي، فيما الصنف الاخر يفضل المشاركة المجتمعية، والتخفيف من وطأة المشكلة على الجميع، عبر فتح المخازن، وقطع الطريق امام المحاولات الانتهازية بمختلف اشكالها.

لا يمكن تبرير التصرفات غير الأخلاقية، لبعض التجار في التحكم انسيابية المواد الأساسية في الأسواق، لاسيما وان مبررات نقص تراجع المخزون الاستراتيجي، تفضحها عمليات المصادرة، واكتشاف الاطنان من المواد الغذائية في المخازن، مما يعطي دلالة على وجود نوايا ”سيئة“ في التحكم بالسوق، ومحاولة توجيه الازمة الحالية باتجاهات مظلمة، وبالتالي فان المواجهة الشديدة القائمة بين الجهات الرسمية وبعض التجار، تنم عن معرفة مسبقة بالنوايا غير السليمة، لهذه الفئة لخلق أزمات غير حقيقية.

الثقافة الجمعية تمثل الوسيلة الأكثر تأثيرا، في إعادة الأمور للوضع الطبيعي، حيث يمتلك المجتمع السلاح الفعال في ردع هذه الممارسات الاحتكارية، من خلال استخدام عصا ”المقاطعة“ في وجه بعض التجار، لاسيما وان هذا السلاح بامكانه توجيه ضربة قاتلة لثقافة الاحتكار، فهناك العديد من التجارب الناجحة خلال السنوات الماضية، وبالتالي فان تحريك عصا ”المقاطعة“ في وجه الثقافة الاستغلالية، يعطي النتائج السريعة، خصوصا وان المخاوف من تكبد الخسائر المالية، يدفع باتجاه إعادة رسم خارطة جديدة، بما ينسجم مع التطورات الاجتماعية.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
السيد نور الساده NOOR Alsadah
[ السعودية - القطيف ]: 19 / 4 / 2020م - 9:26 ص
مقال يسلط الضوء على السلوك المنحرف لدى الأعم الأغلب من التجار لدينا وبالخصوص في فترات الظروف الصعبة التي تطرأ
وحسناً ذكر الكاتب بعض القطاعات واشاد بها وفي مقدمتها القطاع الصحي الذين هم حقًا جنود المواجهة الفعليين فلهم منا خالص الدعاء بأن يوفقهم الله تعالى وان يسعدهم وييسر امورهم لخير الدنيا ونعيم الآخرة

فقط اختلف مع الكاتب فيما ذكره في السطور التالية:

(النقاط السوداء التي شوهت الصفحة البيضاء لقطاع التجاري في الفترة الأخيرة، بحاجة الى كم وافر من ”المبيضات“ لإزالتها من اللاوعي الاجتماعي )

إذ أننا ومنذ عشرات السنين قد تعايشنا مع هؤلاء التجار فلم نلمس يوما ان فيهم من يمكن تطبيق الوصف عليه بالقول ( الصفحة البيضاء )
لم يكونوا يوما صفحات بيضاء لكي تأتي هذه الجائحة فتشوهها نقاط سوداء
كاتب صحفي