آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 1:49 م

صدقة السر

محمد أحمد التاروتي *

التباهي بتقديم المساعدات العينية او المالية اصبح ”موضة“ لدى البعض، حيث يعمد لنشر تلك المساعدات على الملأ بواسطة الحسابات الشخصية، في مواقع التواصل الاجتماعي، مما يضع علامات استفهام كبيرة، بخصوص الأغراض الحقيقة وراء نشر تلك المقاطع، لتطير في غضون ثواني لكافة انحاء العالم، فاذا كانت النوايا لتشجيع الاخرين على تقديم المساعدات، فان هناك العديد من الطرق لدفع الناس للمساهمة في تخفيف الأعباء المالية، على الاسر المتضررة من جائحة كورونا، بينما ستكون الطامة كبرى في حال كان الهدف التباهي والظهور بمظهر المتصدق، والمساعد للاسر المحتاجة.

الدخول في النوايا امر مرفوض على الدوام، بيد ان تقييم مثل هذه السلوكيات يتطلب وقفة جادة، بهدف قطع الطريق امام تنامي مثل هذه الممارسات والسلوكيات الخاطئة، لاسيما وان انعكاساتها على النسيج الاجتماعي ليست خافية، فتقديم المساعدات في الخفاء اكثر جدوى من اظهار بطريقة ”فجة“، وغير مستساغة على الاطلاق، خصوصا وانها تصدر من اطراف تضع نفسها في المقدمة على الدوام، مما يستدعي اعادة برمجة السلوك بما ينسجم مع الحفاظ على ماء الوجه للاسر المحتاجة.

ثقافة التباهي بالاحسان مرض خطير على البيئة الاجتماعية، فهي تكرس سلوكيات شاذة، وتتناقض مع القواعد الدينية الثابتة لدى الجميع، حيث تركز الاخلاقيات الإسلامية على اعتماد ”صدقة السر“ في جميع الاعمال، نظرا لأهمية نشر هذه الممارسات ”السرية“، لما يمثل من الحفاظ على كرامة الانسان، وعدم تعريضه للمهانة، ”لا تتصدق على أعين الناس ليزكوك، فإنك إن فعلت ذلك فقد استوفيت أجرك، ولكن إذا أعطيت بيمينك فلا تطلع عليها شمالك، فإن الذي تتصدق له سرا يجزيك علانية“ و”أكثر من صدقة السر، فإنها تطفئ غضب الرب جل جلاله“.

محدودية تلك التصرفات ليس مدعاة لتجاهلها، او محاولة تسليط الضوء عليها، خصوصا وان السلوكيات الفردية تشجع على تقليدها أحيانا، سواء بطريقة ضيقة او واسعة، مما يجعل السيطرة عليها تحديا حقيقيا في المرحلة القادمة، وبالتالي فان العملية تتطلب وقفة جادة لتحريك الضمائر الحية لمحاكمة هذه السلوكيات، لاسيما وان ثقافة التباهي بمثابة مرض خطير يصيب صاحبه بحالة من الغرور، والتمادي بشكل كبير، خصوصا وان الثراء او ارتفاع المستوى الاجتماعي تدفع البعض لانتهاج هذه الالية بطريقة غير مقبولة على الاطلاق.

ازمة كورونا ساهمت في وضع البعض امام تحديات حقيقية، خصوصا وان عملية الإبقاء على الممارسات في السر صعبة، نظرا لاعتماد طريقة ”لا يوجد سر“، الامر الذي يفسر سرعة نشر بعض الاعمال الشخصية، حيث تعتبر هذه الشخصيات ”خصوصية الاخرين“ شيئا من الماضي، نظرا لدخول وسائل التواصل الاجتماعي على الخط بقوة، مما يعني ان نشر مقاطع توثق تقديم المساعدات يدخل ضمن ثقافة التباهي، بمعنى اخر، فان إعادة برمجة الحفاظ على خصوصية الاخرين تتطلب رسم سياسية جديدة، بحيث تستبعد أضواء وسائل التواصل الاجتماعي من الممارسات ذات الطبيعة الإنسانية من جانب، ومن جانب اخر، يتطلب تحريك البيئة الاجتماعية باتجاه رفض مثل هذه السلوكيات بشتى الطرق، من اجل وضع نهاية لمثل هذه الممارسات بشكل نهائي، خصوصا وان السكوت يرسل رسالة خاطئة لبعض الأطراف، مما يشجع على انتهاج سلوكيات مماثلة، بحيث تؤثر على النسيج الاجتماعي، وتقضي على الجانب الأخلاقي، لعملية المساهمة في تخفيف الأعباء المالية، لمتضرري ازمة كورونا.

ردود الأفعال الرافضة لسلوك التباهي في وسائل التواصل الاجتماعي، مؤشر إيجابي في تطويق انتشار هذه الثقافة، خصوصا وان هذه النوعية من الثقافة لا تنسجم مع المرتكزات الأخلاقية، والقيم الدينية، التي تزود الانسان بالوقود في جميع ممارسات اليومية، وبالتالي فان السماح بتمدد ثقافة التباهي على حساب الاسر المحتاجة، يؤشر الى وجود ثغرة كبرى في منظومة القيم الأخلاقية لدى البيئة الاجتماعية، وبالتالي فان الرفض التام يعطي إشارات قوية بعدم السماح بتمرير هذه السلوكيات في الوسط الاجتماعي، سواء كانت صادرة من شخصيات ذات تأثير كبير اجتماعيا، او فئات ذات مستوى مالي كبير، فالسلوك الخاطئ لا يعترف بمستوى النفوذ الاجتماعي، او الغني الفاحش على الاطلاق.

‏?محمد العبد الله

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
أبو حسين
[ القطيف - تاروت - القطيف - تاروت ]: 23 / 4 / 2020م - 3:18 م
إستوقفني هذا الموضوع، والذي أختلف فيه مع وجهة نظرك، أخي، مما لا شك فيه إذا كنا نتحدث عن موضوع الصدقة، فصدقة السر أفضل ولكننا هنا مع موقف إنساني يتطلب مشاركة أكبر شريحة من المجتمع لمساعدة إخوانهم المتضررين من جائحة كورونا، فالوضع مختلف تماماً ويحتاج الى مبادرات كبيرة من المقتدرين، وحقيقة لا يمنع أن يعلن أي إنسان عن ما قدمه أو سيقدمه لأبناء وطنه، ونعتبر هدا من باب تشجيع الآخرين على العطاء والوقوف مع إخوانهم المتضررين، والله وحده العالم بالنيات وما تخفي الصدور. تحياتي لكم.
كاتب صحفي