آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 1:49 م

شهر المغفرة

محمد أحمد التاروتي *

يطل شهر رمضان على المسلمين بالعالم، في أجواء استثنائية غير مسبوقة، حيث يقبع الصائمون في المنازل لساعات طويلة، ضمن الإجراءات الاحترازية المتخذة لمواجهة جائحة كورونا، والتي اوجدت الهلع في النفوس، خلقت واقعا مغايرا للسنوات الماضية، وأحدثت الكثير من المتغيرات، على مستوى العلاقات الاجتماعية.

رمضان في العام الحالي سيبقى محفورا، في ذاكرة الزمن لفترة طويلة، حيث ستتناوله الأقلام بالكثير من التشريح، والمزيد من الذكريات، من ارباب الفكر، والرواة في السنوات القادمة، خصوصا وان البرامج الرمضانية المعتادة اختفت تماما، وأصبحت غير قابلة للتطبيق على الاطلاق، مما يجعله - رمضان - ظاهرة فريدة وغير مألوفة ولم يتصورها الكل في الاحلام، فما بالك على ارض الواقع، فالجميع ينتظر شهر الخير بفارغ الصبر لاعادة برمجة حياته، من خلال التزود بخيرات شهر الله، بما ينسجم مع شهر البركة والمغفرة، ”شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى? وَالْفُرْقَانِ ? فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ“.

غياب المظاهر الاجتماعية المصاحبة مع الإعلان الرسمي، لدخول شهر رمضان المبارك، يظهر جانبا واحدا من المظاهر العديدة، التي يمتاز بها الشهر الفضيل، فهناك الكثير من الجوانب التي يكتنفها شهر الله، فالبركة العظيمة ليست مقتصرة على الجوانب الاجتماعية، او الحركة الخارجية في المجتمع، فالمرء قادر على الاستغلال الأمثل لنفحات الشهر الفضيل بطريقته الخاصة، بهدف الخروج بحصيلة ربانية وافرة وعظيمة، مع انقضاء الأيام القليلة لشهر ضيافة الله.

شهر رمضان فرصة ذهبية، لا تتكرر سوى مرة واحدة في السنة، فهو يحتل مكانة خاصة ليس كغيره من الشهور، حيث تتفتح أبواب السماء للعباد وتغل الشياطين، وتغلق فيه أبواب النيران، فالشهر الفضيل بمثابة محطة سنوية للتزود بالطاقة، لمواجهة المغريات ومقاومة الاهواء الذاتية، والشياطين من الانس والجن، وبالتالي فان التحولات الاجتماعية خلال السنة الحالية، لا تلغي البركات الكبيرة، التي يحملها شهر رمضان منذ اللحظات الأولى لدخوله.

جائحة كورونا ليست قادرة على سلب الشهر الفضيل حلاوته، فالوباء قادر على إبقاء الناس في المنازل لساعات طويلة، ولكنه ليس قادرا على الغاء البرامج الربانية، مع الخالق خلال ساعات النهار، وكذلك أوقات المساء، خصوصا وان هذه اللحظات لا تعوض على الاطلاق، ”أَنْفَاسُكُمْ فِيهِ تَسْبِيحٌ، وَ نَوْمُكُمْ فِيهِ عِبَادَةٌ، وَ عَمَلُكُمْ فِيهِ مَقْبُولٌ، وَ دُعَاؤُكُمْ فِيهِ مُسْتَجَابٌ“.

الاستقبال المناسب بقدوم شهر رمضان، يتمثل في تهيئة النفس، والتعهد الصادق، للاستفادة من الشهر الفضيل، ومحاولة احداث تحولات داخلية، بما ينسجم مع الغايات والأهداف الكبيرة التي يحملها شهر الله، خصوصا وان البعض ينظر للشهر الفضيل من خلال الامتناع عن الاكل والشرب، فيما المرامي الكبيرة لشهر المغفرة، تتجاوز الاطار الظاهر لمعنى الصيام، بحيث تتجاوز تلك التصورات الضيقة للغاية، فالدروس الروحانية والمعنوية وتقوية العلاقة مع الخالق، اكثر أهمية من الالتفات الى الجوع والعطش ”كم من صايم ليس له من صيامه الجوع والظمأ“، وبالتالي فان محاولة الخروج بحصيلة وافرة من الدروس، يمثل تحديا حقيقيا خلال الشهر الكريم.

الاستثمار الأمثل لايام شهر رمضان المبارك، يمثل الفارق الكبير بين صائم واخر، فالنظرة لشهر المغفرة تدفع كل شخص، لمحاولة الاستفادة القصوى، بما يقربه الى الخالق، من خلال زيادة حصة العبادة، والتحرك لتحقيق بعض السلوكيات على الاطار الشخصي، وغيرها من الممارسات ذات المردود الإيجابي، لاسيما وان الإرادة القوية تكون ظاهرة وجلية طيلة أيام الشهر الفضيل، مما يساعد في تحقيق تلك المساعي على الأرض، فالمرء قادر على انهاء العلاقة مع السلوكيات الخاطئة بارادته القوية، وبالتالي فان الصيام يحدث اثرا في النفس لتصحيح الكثير من العلاقات، سواء مع المحيط القريب او الوسط الاجتماعي.

"أيُّها النّاس، إنَّ هذا الشّهر شهرٌ فضَّله الله على سائر الشُّهور كَفَضْلِنا أهلَ البيت على سائر النّاس. وهو شهرٌ يفتَح فيه أبواب السَّماء وأبواب الرّحمة ويُغلق فيه أبواب النِّيران".

كاتب صحفي