آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 1:37 م

شهر المغفرة «2»

محمد أحمد التاروتي *

التوجه الى الله في الشهر الكريم، لا يقتصر على عبادات محددة، فهناك الكثير من الاعمال التي تقرب المرء من خالقه، فالابواب مفتحة للدعاء والتضرع الى الله، طوال الشهر الكريم، بهدف زيادة الجرعة العبادية طوال ساعات النهار والليل، خصوصا وان التفرغ للعبادة يمثل قيمة كبرى في الاعتراف بالعبودية للخالق من جانب، وتطهير القلب من الشوائب العالقة جراء الاعمال السيئة، وبالتالي فان الشهر الكريم يوفر الفرصة السانحة للمسلم، لاعادة برمجة العلاقة مع الخالق، ”الشقيّ من حرم غفران الله في هذا الشهر العظيم“

وضع البرنامج العبادي اليومي منذ اليوم الأول لشهر المغفرة، يساعد في السيطرة على الوقت، وعدم إضاعة الساعات الربانية المفتوحة للجميع، خصوصا وان الاقبال على العبادة يزداد لدى الصائم، بهدف التزود بالنفحات الرحمانية، ”أيها الناس، ان أبواب الجنان في هذا الشهر مفتحة فاسألوا ربكم ان لا يغلقها عليكم، وأبواب النيران مغلقة فاسألوا الله ان لا يفتحها عليكم، والشياطين مغلولة“، مما يعطي الصائم مساحة واسعة من الحركة لصياغة العلاقة، بما ينسجم مع اهداف شهر رمضان المبارك، لاسيما وان الزخم العبادي يختلف من شخص لاخر، تبعا للقدرة على القيام بمختلف الممارسات العبادية.

السيطرة على الوقت يمثل الفارق بين شخص واخر، فالبعض يحاول الخروج بحصيلة وافرة من البركات الكثيرة، التي ينزلها الله في الشهر الفضيل، فيما البعض الاخر يقتصر على القليل من البركات والخيرات، وبالتالي فان محاولة الاكثار من العبادة يعود على المسلم بالخير الكثير، خصوصا وان نعمة ادراك شهر رمضان لا يعرفها سوى من فارق الحياة، اذ لا يعلم المسلم هل يتمكن من ادراك صيام السنة القادمة، الامر الذي يحفز على المبادرة في الاكثار من العبادة، والتفرغ لمرضاة الخالق، نظرا لتوفير جميع الأجواء للانخراط، في ممارسة الاعمال العبادية.

الدعوة الحيثية على الاستغلال الأمثل لايام شهر رمضان، تنطلق من أهمية الاستفادة من شهر المغفرة، والعمل على تحويل الساعات الى وقود داخلي، للتزود بالتقوى، والحرص على الإخلاص في العبادة، لاسيما وان الصيام يهذب النفس البشرية مما يدفعها للمسارعة الى الاعمال الخيرية، خصوصا وان الجوع والعطش يحدث اثرا كبيرا في النفوس، منها تقوية الإرادة للامتناع عن المباحات لساعات طويلة، على مدى شهر كامل، بالإضافة لذلك فان الشهر الكريم يحرك النفوس على العطاء، والبذل في سبيل مساعدة ”الفقراء“، سواء بطريقة مباشرة او غير مباشرة.

الترغيب على التفرغ في العبادة خلال الشهر الفضيل، ينطلق من أهمية زيادة الرصيد لدى الانسان في الحياة الدنيا، خصوصا وان فريضة الصيام لا تقتصر على الثواب الاخروي ”كل عمل ابن آدم هو له، غير الصيام هو لي وأنا أجزي به“، وانما يترجم على الصعيد الشخصي والحياتي، فالصيام يؤثر على طريقة التعامل مع الاخرين، مما ينعكس على شبكة العلاقات الاجتماعية، مما يسهم في تنظيم السلوك الأخلاقي لدى مختلف الشرائح الاجتماعية، لاسيما وان الخلق الفاضلة تمثل قيمة أساسية، في رفع قيمة المرء في الدينا والاخرة.

الانعكاسات الإيجابية لفريضة الصيام ليست خافية على المسلم، فالمرء يتلمسها بشكل عملي منذ اليوم الأول، لدخول الشهر الفضيل، حيث يرتفع منسوب العبادة والرغبة للتقرب الى الخالق، سواء عبر المداومة على قراءة القرآن، او الاستمرار على الادعية المأثورة، فضلا عن تخصيص جزء من الأموال لمساعدة الاسر المحتاجة، انطلاقا من مبدأ الإخلاص في العبادة أولا، وتعزيز التكافل الاجتماعي ثانيا، وبالتالي فان شهر رمضان يولد حالة استثنائية في الممارسات العبادية لدى الصائم، فالجميع يتحرك باتجاه طلب الرضوان والمغفرة من الله، والعمل على إزالة جميع المطبات، التي تعترض طريق الوصول، الى نيل الثواب في الدينا والاخرة.

وجود يقين راسخ بأهمية التفرغ الكامل، لتجسيد مرامي شهر الصيام، يدفع الصائم للعمل بجميع جوارحه، لاظهار تلك الاعمال العبادية على اشكال مختلفة، بحيث لا تختصر ضمن إطارات ضيقة للغاية، فالمجال الواسع لاعمال الخير، يفتح المجال امام الجميع للجلوس، على المائدة الرمضانية الكبيرة، بحيث يحصل كل المسلم على قدر طاقاته، ومدى استعداده النفسي والمادي، فالمائدة الرمضانية المفروشة، قادرة على استيعاب الجميع دون استثناء.

"وهو شهرٌ يُسمَع فيه النِّداء ويُستجاب فيه الدُّعاء ويُرحَم فيه البكاء".

كاتب صحفي