آخر تحديث: 30 / 9 / 2020م - 9:29 م  بتوقيت مكة المكرمة

حذارِ من أصحاب الجنة

ماذا يضر الإنسانَ لو فكر أن يعطي من فائضِ حنطته شيئا لأخيهِ الإنسان المحتاج ويقول: هذه حنطتي تملأ  شُوالاتٍ كثيرة، وما فضل منها يطعم أعداداً غفيرة؟ لكن طبع البشر منع الفيضِ عن المحتاج، ثم ماذا؟ يعصف الله بما أعطاهم ويجعلهم حكايةً يقصها عبرةً لمن بعدهم:

كان لرجلٍ من الأغنياء بستانا قيل: إنّها في أرضِ اليمن دونَ صنعاء بفرسخين. وكان يأخذ منها قوتَ سنة ويتصدق بالباقي، يترك للمساكين ما أخطأه المنجل وما في أسفلِ الأكداس وما أخطأه القطافُ من العنب وما بعد من البساط الذي يُبسط تحت النخلة إذا صرمت، فكان يجتمع للفقراء شئ كثير.

مات الأبُ المحسن فقال بنوه: إن فعلنا ما كان يفعل أبونا ضاق علينا الأمر، ونحن أولوا عيال، فحَلفوا ليصرمنَّ البستان داخلينَ في وقت الصباح خفيةً عن المساكين. وقالوا: نحن أحقّ بحصادِ ثمار هذا البستان، لأنّ لنا عيالا وأولاداً كثيرين، ولا طاقةَ لنا بإتّباع نفس الاُسلوب الذي كان أبونا عليه... ولهذا فقد صمّموا على أن يستأثروا بثمارِ البستانِ جميعاً، ويحرموا المحتاجينَ من أي عطاءٍ منها.

في الظلام سلّط الله على الجنة ناراً حارقة، وصاعقةً مهلكة، وصارت الجنةُ متفحّمة سوداء، لم يبق منها شيء سوى الرماد. وهم باقون على تصوّرهم أن أشجار جنّتهم المملوءة بالثمر، جاهزة للقطف. كانوا في الصباح يتكلّمونَ بهدوء حتّى لا يصل صوتهم إلى الآخرين، ولا يسمعهم مسكين، ويأتي لمشاركتهم في عمليةِ جني الثمر أو تناول شيء من الفاكهة. في هذا الوقت كان الفقراء يرتقبونَ يومَ الحصاد بفارغ الصبر في مثل هذه الأيّام، لأنّهم تعوّدوا في كلِّ سنة أن ينالهم شيء من الفاكهةِ كما كان يفعل ذلك الشيخ المؤمن.

تحرك الإخوةُ في الصباحِ الباكر على أمل أن يقطفوا محصولهم الكثير، ويستأثروا به بعيداً عن أنظارِ الفقراء والمحتاجين، ولا يسمحوا لأي أحدٍ من الفقراء بمشاركتهم في هذه النعمة الإلهية الوافرة، غافلين عن تقديرِ الله... فلما رأوا البستانَ أصبح رمادا ظنوا أنهم أضاعوا الطريق. تأكد للإخوة أن البستان هو ذاته،   لكنهم حين أرادوا أن يحرموا الفقراء والمحتاجين من العطاء حُرموا من الرزق المادّي، ومن البركاتِ المعنوية التي تحصل عن طريق الإنفاق في سبيلِ الله للفقراء والمحتاجين.

تقدّم أحدهم وكان شخصاً مؤمناً عاقلا ينهاهم عن البخلِ والحرص، إلاّ أنّهم كانوا لا يسمعون كلامه، وأفصح عن رأيه بقوّة بعد هذه الحادثة، وأصبح منطقهُ أكثرَ حدة، وبّخهم كثيراً على موقفهم من الفقراء، ووجّه لهم ملامة عنيفة. أدرك البقيةُ سوءَ ما أضمروا وكأنّ لسان حالهم يقول: ربّنا إنّنا كنّا نحن الظالمينَ لأنفسنا وللآخرين، ولذا حقّ علينا مثل هذا العذاب، وما أصابنا منك هو العدلُ والحكمة.

بقي السؤال هنا: هل أنّ هؤلاء ندموا وقرّروا إعادةَ النظر في برامجهم المستقبلية؟ أم أنّهم وبّخوا أنفسهم وكثر اللوم بينهم بصورةٍ مؤقتة، ثم يعودونَ إلى ما كانوا عليه سابقاً من ممارسات خاطئة؟ وهل فقط الصواعق ما يحرق أو تشترك معها الآفاتُ والحروبُ والجوائح العالمية المدمّرة، وما إلى ذلك مما هو شاهدٌ وشاخصٌ أمامنا اليوم، لتذهب بالنعم التي نحرص عليها؟

مستشار أعلى هندسة بترول