آخر تحديث: 28 / 9 / 2020م - 7:30 م  بتوقيت مكة المكرمة

تنبؤات درامية أم سينما متواطئة.. «14»

عبد العظيم شلي

منذ أن تفجر فيروس كورونا والناس في كرب عظيم، وباء توزع على الأقطار والأمصار، مردياً ضحاياه بين مصاب وقتيل، مرض معدٍ فتاك لا يميز بين جنس ولا لون، ولا يعرف طيباً أو شريراً، ولا يفرق بين مذهب أو دين، ولا يختار كافراً دون مؤمن، ولا ينتقي غنياً ويهمل فقيراً، ولا يحدد صغيراً ويترك كبيراً، ولا ينحاز لرفيع عن وضيع، يتسلط على الكل وضد الكل وفي وجه الكل لا يستثني أحداً مهما كان.

رعبه انتشر في كل مكان وغالبية سكان المعمورة متوجسون منكفئون في بيوتهم مخافة عدو لا يرى قدومه، شبح مباغت يتسلل خفية بين الأنفاس، يجثم على الصدور بلطم غير مسموع، يضج المضاجع والناس في كل وادٍ لا يهيمون إلا على ذواتهم المرتبكة، بخشية من كل شيء، مدن لا تنام، أصبحت تغط في سبات عميق، وعواصم عامرة بحراك لا ينقطع تحولت مدن أشباح، خطر مدلهم في كل لحظة وثانية، سرق الأمن والأمان والكل في حيرة من عدوى هذا الزمان.

تتناقل وسائل الإعلام أقوال المسؤولين وزعماء الدول بحرص بالغ الأثر بخطابات موجهة لشعوبهم، لرفع المعنويات واستنهاض الهمم، وبث التطمينات ونبذ المخاوف وأخذ الحيطة والحذر وشد الأزر بالتكاتف والتلاحم والتعاون وبذل مزيد من التضحيات على جميع المستويات.

ثمة توصيفات تكررت على ألسنة القادة بتشبيه الجائحة بقتال معارك ”نحن نخوض حرباً“، وعبارة أخرى ”نحن في حالة حرب لا نعرف إلى متى ستستمر ومتى ستنتهي“!

أي حرب هذه، مع من وضد من؟ والبداهة تقول إن الحرب بين طرفين أو أكثر تقودها جيوش وعسكر، تتصارع بين كر وفر، رايات ترفع باسم النصر لسحق الخصم ودحره بالهزيمة، استسلام أم قبول هدنة أو نشدان سلام، وبعدئذ يسجل التاريخ وصف ما وقع بأحرف من دم.

وأي حرب تخاض الآن ضد جيوش كوفيد 19 الجرارة التي لا ترى ولا يعرف لها عد ولا حد، متى تأتي أفي جنح الظلام أم في وضح النهار، لا وقت لغزواتها، تفاجئ من يظن أنها بعيدة عنه، فقد أطاحت بأسوار رفيعة واقتحمت حصوناً منيعة، وأعطبت كل تقنية اللاذرات، تصطاد فرائسها بسهامها الصائبة في طرفة عين.

تطوق بحبائلها الأنفاس ولا تفرق بين عمر في الربيع أو الخريف، أنفس وجلة معلقة بين البقاء أو الانطفاء، أيطول زمن جيوش هذه الحرب اللامرئية؟

تحدث أحد رؤساء الدول بمشاعر جياشة: ”بلدنا في حالة حرب صحية مع هذا الوباء“، وأفصح آخر ”نحن في حالة حرب مع عدو لا نراه“، وقال مراقبون ”نتوقع الأسوأ، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية“، ودق ناقوس الخطر مسؤول أممي ”إذا استمر الحال على ما هو عليه فأكثر من نصف سكان العالم مهددون أن يصبحوا تحت خط الفقر“؟!

كم نسمع ونشاهد أنين الضعفاء ممن لم يحصلوا على قوت يومهم بسبب الحجر الصحي، يتألمون، يبكون، يصرخون، في سبيل لقمة العيش، كيف تزرع الأمل في وجوه الحائرين بين الخوف موتاً من الوباء والموت جوعاً، هل تطعمهم كلمات التطمين وهل ترويهم ”عبارات أزمة وتعدي“، هناك معاناة ثقيلة على ظهور المنزوين جوعاً المنهكين بضيق الحال والتي لا ترى ولا تسمع استغاثاتهم، والبائسون كثر.

يا له من وضع كارثي مروع بكل المقاييس.

من يزرع البسمات للأفواه الجائعة طعاماً، ومن يسد رمق المتشبثين بالحياة عطايا ملموسة، ومن يضيء الشموع في جنح الظلام.