آخر تحديث: 26 / 9 / 2020م - 4:56 م  بتوقيت مكة المكرمة

تنبؤات درامية أم سينما متواطئة.. «16»

عبد العظيم شلي

دارت عجلة السينما للبحث عن كل ما هو غريب ومفزع ومخيف، فنهلت من عوالم الكوابيس والأوهام والأحلام واللامعقول والخيال العلمي والزومبيات في إنتاج الكثير من الأفلام، واتخذت من فاشية الأمراض المعدية مادة دسمة كالفيروسات، والطفيليات، والفطريات والجراثيم، وبشاعة الحشرات، وعدوانية الأوبئة المدمرة بأنواعها، الطاعون، السل، الكوليرا، الجدري، الحمى النزفية، الحصبة الإسبانية، الإنفلونزا الإيطالية، فمن خلال هذه الأوبئة التي مرت على البشرية والتي حصدت ملايين الأشخاص، استلهمت السينما الكثير من أجوائها المدمرة وقصصها الرهيبة.

بعض الأفلام صورت الأوبئة ليس من جانب كارثي أو مأساوي، أو استعطاف إنساني، إنما مزجت كل ذلك وأقحمت ألاعيب السياسة ودهاليزها الغامضة بالصراع مع الأوبئة.

وبلغة الفن تتفاوت أطروحة فيلم عن آخر، من ناحية التكنيك والحبكة الدرامية وأسلوب المعالجة وبراعة الإخراج وجميع المؤثرات الفنية وكلفة الإنتاج ونجوم الشباك، لكن القاسم المشترك بينها وحشية الأوبئة وتصويرها بشكل مخيف مترصدة الأفراد والجماعات نحو الهلاك والموت.

ومن ضمن الأفلام المثيرة للجدل التي تناولت رعب الفيروسات المميتة بشكل يتقاطع مع ما نشهده اليوم يبرز فيلم ”Outbreak التفشي“، تم إنتاجه 1995م، ويضم نخبة من نجوم التمثيل، وتدور أحداثه حول تفشي وباء في أدغال دولة زائير ”الكونغو الديمقراطية“ الواقعة وسط أفريقيا، وقد أصيب معسكر للمرتزقة وكل سكان القرية بالمرض وسط ضجيج القصف وأصوات القنابل، وذلك سنة 67 م، وقضي على الوباء بطريقة مأساوية أشد وحشية من المرض نفسه.

لكن الوباء عاد بالظهور مرة ثانية سنة 95م، وتمت معاينة المكان من خلال بعثة طبية عسكرية أمريكية، لأخذ عينات من المصابين لدراستها وفحصها في مختبرات الجيش الأمريكي.

وفي خضم التحاليل لمعرفة نوع الفيروس ونشأة تطوره وهل هو متشابه مع القديم أو هو فيروس مستجد، يدور داخل المعامل والمختبرات إبحار علمي للتوصل للقاح المناسب، وفي الجانب الآخر تبحر سفينة كورية، وعلى متنها قرد صغير الحجم من فصيلة السعدان مجلوب من زائير ويتم إرساله إلى مستودع خاص بتجميع الحيوانات الواردة، يلتقطه شاب وبحركة عابثة يسرق القرد قبل إخضاعه للفحص الطبي، ويصل به لصاحب محل مختص ببيع الحيوانات الأليفة وهو المتردد عليه باستمرار بصفقات سوداء، لكنه هذه المرة لم يقبل منه البضاعة المهربة، قائلاً له: هذه أنثى بعت مثلها إلى زبون وهو يريد أن يشتري مني ذكراً لعملية التزاوج وأخبرتك من قبل، وبينما هو يخرجها من القفص ليعاينها تخمش صاحب المحل في ساعده فيصرخ متأوهاً وتسيل قطرات من دمه، يخرج الشاب بخيبة أمله ويبحث عن مكان بعيد عن الأنظار ويطلق القردة في الغابة.

ولم يخطر على بال الاثنين أن القردة مصابة بفيروس معدٍ للغاية، وفي اليوم التالي بينما صاحب المتجر يتفحص الطيور والحيوانات، فجأة يرتمي على الأقفاص وتتهشم ويسقط أرضاً صريعاً بالفيروس، وفي ذات الوقت أصيب الشاب مهرب الحيوانات ناقلاً العدوى لحبيبته التي أشبعته قبلاً في المطار كعربون شوق ولهفة انتظار، وبين أحضانها يدور رأس الحبيب وتلف به الدنيا ويخر صريعاً ليس من نشوة القبل وإنما من المرض الذي أنهكه طوال رحلته الجوية.

وبالمقابل أصيب طبيب من مركز الأبحاث للأمراض المعدية الخاصة بالجيش، حيث ظهرت عليه الأعراض والإعياء والتعب بينما هو يشاهد فيلماً برفقة زوجته وهما في قاعة السينما المكتظة بالحضور، عاجلته نوبة من السعال المتواصل ناثراً ذرات العطاس في فضاء السينما، لقطات مكبرة وبالحركة البطيئة تتطاير الحُمَات وتلوث الهواء كذرات غبار، ترك الطبيب مقعده مختنقاً وهو يمشي مترنحاً ذات اليمين والشمال كالسكران بين أروقة السينما، وعند بائعة الذرة وقع مغشياً عليه.

ارتعب الجمهور من حركاته الهستيرية، وكل يأنف من منظره، هرول الجميع متذمرين، وخرجوا حاملين العدوى ونثروها لعوائلهم هدايا من مرض، توزع الوباء كالنار في الهشيم لجميع سكان بلدة ”سيدار كريك - التابعة لولاية كاليفورنيا“، انتشر الرعب عند المواطنين وفزع المسؤولون واستنفر الجيش.

وهنا يقوم بطل الفيلم سام دانيلز ”داستن هوفمان“، وهو طبيب في الجيش برتبة كولونيل، ترافقه الباحثة زوجته السابقة ”روبي“، وصديقه ”كلملج“، وهما أيضاً طبيبان في معهد بحوث الجيش الأمريكي للأمراض المعدية، التابع للمؤسسة العسكرية، يساعداه في مهمته النبيلة لوقف انتشار ”فيروس موتابا“، متنقلين على عجل بين المستشفى والبلدة، ومجابهة المسؤولين، حراك متسارع وشد وجذب وانفعال بين الوجوه المتعددة، وخوف ورعب وتوتر يتصاعد يوماً بعد يوم وساعة بعد أخرى، منظر مفزع لأنين المرضى وتسارع إيقاع دقات الأطباء والممرضين باستنفار كامل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الأرواح.

في هذه الأثناء، يعمل بعض أعضاء الحكومة باستخدام قوة الجيش. انطلقت الطائرات والمصفحات وأرتال من سيارات الجند في مشهد ليلي مهيب، طوقت البلدة من كل مكان، حواجز وأسلاك وخيام عزل ميدانية وعتاد عسكر، جبروت القوة وضع البلدة المصابة بكاملها تحت الحجر الصحي، وكأنها في حالة حرب، لا يسمح لأحد بالمغادرة.

بعد أيام تجمع بعض الأهالي لمحاولة كسر العزلة والخروج من البلدة بالتدافع لكن دون جدوى، قوة السلاح ردعتهم، تهور شابان وكسرا الطوق بسيارتهما، لحق بهما أفراد الجيش وبعد مطاردة مثيرة أمسكوا بهما وقد تهشمت سيارتهما وأعطبت بخسائر فادحة، يحدث أحياناً من لا يمتثل للنظام لكن يدفع حياته غالياً نتيجة نزق طفولي عابر.

يكافح ”سام“ وأطباء الجيش لإيجاد علاج للفيروس القاتل خوفاً من انتشاره في عموم مدينة كاليفورنيا وسريانه لباقي الولايات.

بينما يعمل جنرالان في الجيش للحفاظ على سرية الحادثة، بتزوير الحقائق أمام الإعلام والتخفيف من هول الكارثة والتباطؤ في معالجة الأزمة، وذلك لخلق مصل والتكتم عليه، ليتأكدوا أولاً من خطر الفيروس على هلاك بعض المواطنين كتجربة مضمونة، ليتم استخدامه فيما بعد كسلاح بيولوجي ضد أعداء أمريكا؟!