آخر تحديث: 28 / 9 / 2020م - 5:42 م  بتوقيت مكة المكرمة

تنبؤات درامية أم سينما متواطئة.. «18»

عبد العظيم شلي

تتوالى الأفلام وتتبارى في تتبع ورصد خطر الأوبئة التي اجتاحت أمماً وشعوباً وقبائل على مدى أوجه وحقب زمكانية متفاوتة، أفلام استنطقت الأوجاع والآلام بتتبع مصادرها التاريخية، وكل مخرج وضع رؤياه حسب تصوره لحجم النوائب والفواجع، روائح الموت تنبعث في كل مشهد، والجثث نواطق كالمرايا المنعكسة لما نشهده اليوم وكأن الوجع الإنساني أيقونة كل دهر.

تتفشى عدوى الفيروسات لتفترس البشر دون هوادة، ونسلم سلفاً بأن الطبيعة هي مصدر الأوبئة، عدوانية شرورها أردعها الراسخون في العلم علاجاً وأنجزوا منها إرهاباً كازدواجية حد السكين، صيرت بفعلهم أسلحة تهديد، وتلويح قوة، وبارود محو في أية لحظة.

من يعي ”ادخلوا في السلم كافة“! والراقصون على حبال الموت هل يدركون جحيم الهاوية! منذ قرن تغير وجه الحروب بأسلحة غير تقليدية، وفيلم يحفر في الذاكرة يرمز لبشاعة الحروب ودمارها، لكنه مرمي على خارطة النسيان، اسمه ”الرصيف“ أو ”حاجز الماء“، قدم سنة 1962، وهو عبارة عن قصة مصورة للفنان الفرنسي ”كريس ماركر“ يعتمد على تتابع الصور الفوتوغرافية بالأسود والأبيض، والتحرك في لقطة واحدة، ويسمع صوت راوٍ يقص الحكاية طول 28 دقيقة، وهو بطل الفيلم، حيث يسترجع ذكريات طفولته حين كان واقفاً مع والديه في مطار باريس يرى مشهد رجل يموت غيلة أمام امرأة، ولا يعرف شيئاً مما يحدث.

بعدها تشب نيران الحرب العالمية الثانية والطائرات الألمانية تحلق فوق سماء باريس وترمي حمم قنايلها على مبانيها، يهرع الناس للاختباء في الأقبية والطبقات السفلى، بعدها يتحدث الراوي من تحت سراديب قصر شايو، وبجواره حشد من العلماء واختاروه ليرسلوه لسنين الأمس ليتصل بأهل الأزمنة الماضية ليمدوه بالغذاء والدواء، كي يوفرها لسكان الحاضر لعلهم يستطيعون البقاء على قيد الحياة.

سافر الراوي للماضي ورأى أماكن باريسية التي كانت يوماً عامرة بالحياة مزدهرة بأهلها، وبينما هو يتجول تحدث له المفاجأة، حيث التقى تلك المرأة التي بقيت صورتها مرتسمة في ذاكرته الناحبة في أرض المطار لمشهد القتل، ثم يعاود الرجوع من سفره ليلتقي بأهل المستقبل، وقد أدرك أن العلماء سيتخلصون منه لا محالة، وبالفعل أعادوه لفترة ما قبل نشوب الحرب، لتلك اللحظات الطفولية وهو يرى مقتل تلك المرأة الأزلية، وأدرك حينها أن كل ما اختزنته ذاكرته من صور مسبقة هو حادث موته.

فيلم قصير لكنه عميق المعنى يحمل بعداً فلسفياً لمخرج يساري، هذه التحفة السينمائية اتكأ عليها الفيلم الأمريكي

Twelve monkeys ”اثنا عشر قرداً“، الصادر سنة 1995، ويدور حول طفل صغير يقف مع والديه في صالة المطار يرى جريمة قتل لرجل وامرأة تركض وراءه تصرخ بفزع، يغمض الطفل عينيه ويفتحها وضوء يوقظه وإذا هو شاب بكامل عنفوان الرجولة، يتقلب على فراش السجن مقيد الحرية، محكوم عليه مدى الحياة بسبب إجرامه، يناديه زميله المستلقي بجواره، باسم جيمس كول، ثم يأخذه الحراس بقوة بأس ليودعوه في مصحة عقلية، تموج بالمجانين من عجائز وشباب نساء ورجال، يتأمل الوجوه التي فقدت عقلها وما هو بمجنون.

هذه الأجواء الغرائبية يعيشها مع مجموعة من البشر داخل ملاجئ في عمق الأرض هاربين من انتشار فيروس غامض قضى على الجنس البشري، إنه مجتمع مصغر ينعم أفراده بكل شيء مزودين بالتقدم العلمي والتكنولوجيا.

ومن داخل المصحة العقلية التي يشرف عليها مجموعة أطباء وعلماء نفس، تجري محاكمة المجرم جيمس كول في زمن المستقبل 2035، يقدمون له فرصة لتخفيف مدة سجنه، بالسفر للماضي، فقد أطلقوه عبر آلة الزمن من تحت الأرض وارتمى بين الجنود زمن الهجوم على الخنادق الفرنسية خلال الحرب العالمية الأولى 1917، معارك طاحنة دامية، وبين أزيز الرصاص ودوي القنابل يصرخ مفزوعاً باستغاثة بأن لا يقتل.

أسره جنود فرنسيون ظنوه من الأعداء، ولحظتئذ أصيب بشظية في ساقه وأودع المستشفى مع مصابي الحرب، وبحيلة ما غادر المكان خلسة، وظل هارباً ملاحقاً طوال حياته.

يقفز الفيلم فجأة لزمن التسعينات، بشيء يدعو للحيرة، والهدف من إرسال كول للماضي وتنقله بين الأزمة ليتتبع خطة منظمة إرهابية تعرف باسم ”جيش الاثني عشر قرداً“، التي تخطط لدمار البشرية، مشهد يحيلنا لقاعة بريتووز في بالتيمور نوفمبر 1996، حيث جمهور ينصت لمحاضرة تاريخية علمية لدكتورة نفسانية اسمها كاترين ريلي تتحدث عن خطر الأوبئة والأسلحة الكيميائية والغازات السامة في الحروب الماضية والقادمة، وتستشهد بعدة صور عبر جهاز العرض ”البرجوكتر“ لرموز ميثولوجية وشخصيات أسطورية، وعن شرور عدوى الأوبئة الفتاكة، وتشير لجندي مصاب في أرض المعركة والمقصود جيمس كول دون أن تعرف عن هويته.

وهذا هو نص المحاضرة ”في موسم الوباء العظيم هناك نذائر وتكهنات، وواحد من الحيوانات الأربعة أعطى الملائكة السبعة سبعة قوارير من ذهب مملوءة بغضب الرب، الحي إلى أبد الآبدين - سفر الرؤيا - في القرن الرابع عشر ووفقاً لتقارير مسؤولين محليين في ذلك الوقت، ظهر هذا الرجل فجأة في قرية“ وابل " بالقرب من ستونهنج في أبريل 1362مستعملاً كلمات غريبة ومتحدثاً بلكنة غريبة، أدلى الرجل بتكهنات مخيفة عن وباء سيبيد البشرية بعد نحو 600 عام، من الواضح أن سيناريو طاعون نهاية العالم مقنع أكثر بكثير عندما يدعمه الواقع بمرض فتاك سواء كان الطاعون الدبلي أو الجدري أو الإيدز، ولدينا الآن أيضاً أهوال تكنولوجية مثل الحرب الكيميائية والتي أطلت علينا بوجهها القبيح لأول مرة بهجمات غاز الخردل الفتاكة في الحرب العالمية الأولى.

وخلال هجوم مماثل على الخنادق الفرنسية في أكتوبر من عام 1917، بلغتنا قصة هذا الجندي الذي خلال هجوم أصيب بشظية وأدخل إلى المستشفى وهو في حالة من الهستيريا، واكتشف الأطباء أنه فقد إمكانية التحدث بالفرنسية ولكنه تحدث الإنجليزية بطلاقة، وإن يكن بلهجة محلية لم يفهموها، وبالرغم من أن الرجل لم يتأثر جسدياً بالغاز إلا أنه كان منفعلاً، منكفئاً على نفسه، وادعى أنه جاء من المستقبل، كان يبحث عن جرثومة معينة من سلالة نقية والتي ستمسح البشرية من على وجه الأرض اعتباراً من عام 1996، على الرغم من إصابته اختفى ذلك الجندي المصاب من المستشفى.

ما من شك أن تلك محاولته لتنبيه الآخرين، مستبدلاً معاناة الحرب بمعاناة ذاتية متعمدة نسميها ”عقدة كاساندرا“، واسم كاساندرا في الأساطير اليونانية القديمة، كانت تتمتع بهبة التنبؤ بالمستقبل، ولعنة عدم تصديق الآخرين لنبوءاتها، وبالتالي عذاب علم الغيب المقرون بالعجز عن فعل أي شيء حياله، ولكن قد تم استنكار ما تنبأ به، وبذلك اندمجت المعاناة مع الجهل والعجز ليفسح للمجال لعمل أي شيء "، محاضرة مكثفة تستقرئ دراما فيلم غامض وملغز ومستفز في كل شيء من فئة الخيال العلمي لكنه يشي بغرائبية واقع اليوم.