آخر تحديث: 30 / 9 / 2020م - 9:09 م  بتوقيت مكة المكرمة

هل تبحث عن وظيفة؟

زارع، تاجر، حداد، حائك، نجار، صباغ، وغيرهم من العاملين بأيديهم وفكرهم، هل يرغب الناس في مهنهم؟ أم يبحثون عن الوظيفة، فإذ جاء صاحبُ المهنة والصنعة يخطب منهم وجاء الموظف فرحوا بالموظف وأعرضوا عن صاحبِ الصنعة الماهر؟

عصفت أزمةُ الجائحة منذ مطلع عام 2020م باقتصاد كثيرٍ من الأشخاص والأسر التي كانت تعمل في مجتمعنا، وإن مؤقتا، لكنها لم تفتك بمن يملك في يده صنعة أو مهنة حقيقية مستقرة يعتاش منها. وإن فعلت فإنَّ من يملك مهنة في يده لديه حصانة وأمان من الفقر، وسيعود يعمل عما قريب!

لعل هذه الأزمة تدفع الكثيرَ من شبابنا في التفكير جيدا في احترافِ مهنة ”حقيقية“ بدلا من الوظيفة التي تستهلك وقتهم من شروق الشمس وحتى الغروب ويأتيهم منها القليل من المال، ثم يبقون معلقين بخيطٍ رفيع تهزه وتقطعه الأزمات!

لن تستغني البشرية يوما عن الحرف التي تمس احتياجاتها المعيشية، فهذه الحرف بكل بساطة تختزل بين طياتها ”الحياة“. ومهما كانت الحال عليه في اقتصاد البشر فلن يستغنوا عن المأكل والمشرب، والسكن والدواء والملبس والتجارة. مهنٌ أدرك الأنبياء شرفها، وبحسب ما تنقله سيرهم أن آدم احترف الزراعة، ونوح احترف التجارة، وداود احترف الحدادة، وإدريس احترف الحياكة، وسليمان عمل الخوص، وزكريا عمل في النجارة، وعيسى في الصباغة، ومحمد ﷺ احترف الرعي والتجارة.

حان الوقت أن يقدر الفرد والمجتمع مهنةَ اليد ولا يترفع عنها، بدلا من البحث عن وظيفة لا ترقى لطموحهِ ولا تحقق آماله، وأن يُنظر للمهنة وصاحبها بجدية وبتقديرٍ غير مصطنع. مهنٌ وحرف تبدو بسيطة لكنها تختزن في داخلها نضج المجتمعات واستقلالها في حياتها بأكبر قدرٍ يمكن تحققه.

مهنٌ شريفة وممتعة ترفع عنها الناس مع أنه لا يمكن لأي مجتمع أن يستغني عنها، ثم يأتي العمال من خارج المحيطات والقارات يشغلونها ويحققون أحلامهم بها، ويعودون لأوطانهم أغنياء وأصحاب خبرات عملية!

كانت الحرف اليدوية محدودة في القديم لكنها اليوم توسعت بحيث أن الإنسان الحديث يحتاج أكثر من المهن الأساسية، وفي العولمة أصبح الترفيه والفن والزينة والبرمجيات وأعمال البناء وإصلاح الأدوات والآلات وغيرها مهنا لا يقدرها الفرد والمجتمع، لكنها تدر على أصحابها عائداً أعلى من الوظيفة التي قد تهزها العواصف في أية لحظة.

مستشار أعلى هندسة بترول