آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 1:49 م

شهر المغفرة «12»

محمد أحمد التاروتي *

تمثل الثقافة محركا أساسيا في تحديد مسارات المرء، باتجاه العلاقة مع الاخرين، وكذلك تحديد طبيعة التفاعل مع المناسبات الاستثنائية، فالبعض يمر مرور الكرام على تلك الانعطافات المفصلية دون الالتفاف اليها، فيما البعض يقف مليا امام تلك المسارات الحياتية، بهدف الاستفادة منها بشكل مباشر او غير مباشر.

الاستيعاب الكامل لأهمية التفاعل مع المناسبات المحورية والأساسية، يشكل محركا ودافعا لصياغة العديد من القيم الإنسانية والأخلاقية، حيث يعطي الاستيعاب الواعي الانسان القدرة على التفاعل السريع، ومحاولة امتصاص الاشعاعات الصادرة منها، خصوصا وان الاضاءات القوية والأنوار الساطعة قادرة على تزويد الجميع بالرؤية الواضحة، بيد ان الزاوية التي يختارها الانسان تكون الحاكمة في القدرة على اضاءة الطريق بشكل مباشر، وبالتالي فان الانسان مطالب بتحديد الزاوية المناسبة، للحصول على الطاقة اللازمة، لمواصلة مشوار الحياة، مما ينعكس بصورة مباشرة على طبيعة العلاقات الخارجية، مع المحيط الصغيرة، والبيئة الاجتماعية الكبرى.

عملية التواصل الإيجابي مع المناسبات المحورية، خطوة أساسية للوصول الى النتيجة المستهدفة، فالتواصل بدون قدرة على الاستفادة، لا يقدم ولا يؤخر بالمطلق، بقدر ما يمثل إضاعة للوقت، واستنزاف لجزء من العمر، فالمرء مطالب بإيجاد قنوات التواصل الفاعلة والمتفاعلة، وليست المستقبلة فقط، وبالتالي فان العملية مركبة ولكنها ليست معقدة، لاسيما وان المعرفة المسبقة بالاليات المناسبة لمد جسور التواصل، يسهم في إعادة ترتيب البيت الداخلي للإنسان، في مواجهة الصعوبات الحياتية، وكذلك يساعد في الارتقاء بالنفس البشري نحو السمو، والتفاعل الكبير مع تلك المناسبات الهامة، لاسيما وان التواصل الإيجابي يحدث اثرا ملموسا، في تركيبة التفكير الواعي لدى المرء، مما يقود الى حالة من الانسجام الكبير، وأحيانا التزاوج الداخلي مع الخارجي.

الحصول على ثمرة التفاعل مع المناسبات المحورية ”الدينية“، تكون أحيانا سريعة وقادر على احداث انقلاب جوهري، في السلوك الداخلي والخارجي، وتارة تحتاج عملية قطف ثمرة التفاعل الى بعض الوقت، نظرا لحاجة الطبخة الى نار هادئة، خصوصا وان لاعمال مرهونة بالاستعداد النفسية، والقدرة على توفير الظروف الملائمة، لوضع الأمور في المسار السليم، وبالتالي فان الافتقار للعوامل المساعدة يقود الى تأخير قطف الثمرة بشكل سريع، الامر الذي يتطلب إعادة رسم خارطة التفاعل، ومحاولة الوصول الى نقاط الضعف، والعمل على معالجتها بشكل مناسب، بمعنى اخر، فان التفاعل الإيجابي ليس عاملا حاسما في جميع الأحوال، فهناك عوامل أخرى قادرة على خلط الأوراق، الامر الذي يستوجب التأمل في الخطوات، ومحاولة قراءة عملية التفاعل، بعيدا عن الضغوط الخارجية، او العواطف الداخلية، مما يسهم في وضع الاصبع على الجرح، والخروج بتصور واضح للاليات المناسبة، للحصول على الثمرة المطلوبة.

شهر رمضان المبارك من المناسبات السنوية الدينية المحورية في حياة المسلم، فهذه المناسبة قادرة على احداث تحولات كبرى في العلاقات الخارجية، وكذلك ترتيب الأوراق الداخلية للصائم، بيد ان المشكلة تكمن في القدرة على القراءة الواعية، لاحدى المحركات الضرورية لشهر الصيام، على مجموعة من القيم الأخلاقية، ومحاولة اكتساب تلك المضامين بشكل مختلف تماما، ”أيُّها النّاس، إنَّ هذا الشّهر شهرٌ فضَّله الله على سائر الشُّهور“ وبالتالي فان القابلية لدى الصائم تحدث الفرق في مستوى الخروج بالحصيلة، واكتساب الثمار المفيدة مع كل يوم من الصيام، خصوصا وان الثمرات التي توزع ليست واحدة، حيث تختلف باختلاف الاوعية النفسية لدى الصائمين، فاذا كانت كبيرة فانها تكون كبيرة، فيما تبقى صغيرة مع وجود الاوعية الضيقة لدى الصائم.

ان المعرفة المسبقة بطريقة التفاعل المغاير مع شهر المغفرة، مدخل أساسي للحصول على الطاقة الإيجابية، لاحداث الكثير من التحولات في مجموعة القيم الأخلاقية، الامر الذي يترجم على السلوك الخارجي مع البعيد قبل القريب، خصوصا وان شهر التوبة يمتلك قوة مغناطيسية كبرى، من خلال التفاعل مع هذه الفريضة، بيد ان الانجذاب لوحدة ليس كافيا للتزود بالطاقة، لاحداث الاستقطاب الخارجي مع المحيط القريب، والبعيد في الوقت نفسه.

”أيُّها النّاس، إنَّ هذا الشّهر شهرٌ فضَّله الله على سائر الشُّهور كَفَضْلِنا أهلَ البيت على سائر النّاس. وهو شهرٌ يفتَح فيه أبواب السَّماء وأبواب الرّحمة ويُغلق فيه أبواب النِّيران“.

"وهو شهرٌ يُسمَع فيه النِّداء ويُستجاب فيه الدُّعاء ويُرحَم فيه البكاء"

كاتب صحفي