آخر تحديث: 26 / 11 / 2020م - 6:15 ص

‎تنبؤات درامية أم سينما متواطئة «23»

عبد العظيم شلي

تتصاعد وتيرة فيلم الإثارة CONTAGION ”عدوى“، بإتجهات متعددة، ومسارات الخط الدرامي تكشفت بعد رحيل ”بيث امهوف“ وولدها بسبب الفيروس الغامض.

انخرط الباحثون الطبيون ومسئولو منظمة الصحة العالمية مع تلقي أنباء عن انتشار وباء نتج عنه حالات وفاة في هونج كونج، كولون، ومقاطعة شاندونغ بالصين حيث قاموا بنفس الخطوات المتبعة عند مواجهة مرض سارس، ومحاولات لتحديد الطريقة لمنع انتشاره.

ترسل هونغ كونغ عينات دم لفحصها لدى منظمة الصحة وكذا فعلت لندن، وأيضا عينات من حالات مرضية مشابه من شيكاغو. تتصارب التخمينات حول طبيعة ونوعية المرض؛ هل هو التهاب السحايا المنتشر في بحيرة غرب النيل، أم هو فيروس مستجد. وتدور مساجلات في دائرة مينيسوتا للصحة حول تزايد أعداد الوفيات الذين قضوا نحبهم بسبب فيروس معدٍ وليس بسبب مرض تنفسي كما أُعتقد في بداية الأمر.

مسؤولون من وزارة الأمن الداخلي يجتمعون بالدكتور ”اليس شيفر“ من مركز السيطرة على الأمراض، ونقاشات متباينة عند أهل السياسة المتوجسين من أن يكون هذا المرض هجوم ارهابي بالأسلحة البيولوجية يستهدف أمن امريكا اطلقته جهة مجهولة!. اشتباه سرعان ما تلاشى سرابا تحت وطأة أوضاع ومعاناة المواطنين والبحث عن سبل للتخفيف من معاناتهم.

وجرت مساع متسارعة حول كيفية احتواء الوباء الذي بات يهدد الجميع ومخاوف تسري في العروق كسريان الدم، فكل يوم ترتفع الإصابات ومعها تتضاعف أعداد الموتى في أكثر من بلد عن طريق اشارات رقمية تظهر أسفل الشاشة، قلق الموت أصاب العالم بالذهول.

تبعث منظمة الصحة العالمية ومركزها جنيف - سويسرا الدكتورة ”ليونورا اورانتيس“ وهي عالمة أوبئة إلى جنوب شرق آسيا للتحقق من الأمر حاملة معها ما يستجد من أخبار تصلها من الولايات المتحدة الأمريكية، لتحط رحلها في هونغ كونغ لتتبُع مصادر الوباء، ولمعرفة من أين انتقل للآخرين وكيف توسع انتشارا في أغلب الدول، الأمر الذي استدلت عليه الدكتورة من خلال تفقد الأماكن التي تواجدت فيها ”بث امهوف“ عبر فحص كل أشرطة فيديو المراقبة التي وفرها لها ”صن فنغ“ المسؤول الصيني الذي باغتها بقوله ”يقولون أن الفرنسيين والأمريكيين لديهم العلاج، يصنعونه سرا، ومسئولو منظمة الصحة العالمية يعرفون، لكنهم متفقين مع الأمريكيين“ وترد عليه من يقول ذلك؟ الانترنت، الانترنت وأنت تصدق ذلك، لا أعلم.

وبينما هي في مهمتها المرتبطة بالمدة المحددة تحدث لها المفاجأة من قبل الأشخاص الذين تعاونوا معها ووفروا لها كل ما طلبته من أدلة، حيث أوهموها بالذهاب لمكان ما سيزودها بمعلومات أكثر، واثناء السير في الطريق العام تم إستبدال السيارة المخصصة لتحركها وهي التي كانت جالسة فيها، وأخذوها عنوة وقيدوا يديها ووضعوها في سيارة أخرى، كمين محكم وقعت في حبائله من أجل ماذا؟ لقد ارتحلوا بها إلى قرية فقيرة نائية وسط أحراش الغابة وهي معصوبة العينين، ويسمعها الرجل كلمات الحنق ”بينما يعالجون بعضهم البعض نحن هنا.. في آخر الصف“ اقتادوها داخل مسكن ريفي ذي طابقين، وحين دخلت أصيبت بالذهول من منظر الأطفال البؤساء، براءة تئن من مرض دون صراخ، ولغة الصمت تحكي عن ضعفاء مصابين بالوباء لا حول لهم ولا قوة، وهي تسمع الكلمات من صن فنغ ”هؤلاء من تبقوا من قريتي، فالكثير منهم قضوا نحبهم ودفنوا في مقابر جماعية“!

حينئذ ساومها ”صن“ حول بقاء حياتها سالمة مقابل نجاة حياة هؤلاء البائسين، بهتت من هول المنظر وهي تلقي نظراتها التائهة على العيون الشاردة من كبار في السن والصغار في عمر الورد، مصير معلق بين الحياة والموت، وأبلغها ”صن فنغ“ ”أنت ستبقين معنا حتى يجدوا العلاج لنا“. بدورها أبلغت مسئوليها في منظمة الصحة العالمية لتوفر لهؤلاء المنسيين عن عيون العالم لقاحات ”1 - MEV“ المتوقع انتاجها قريبا، وليأتي بها أحد المسؤولين من المنظمة على عجل.

تقضي الدكتورة ”أورانتيس“ عدة أشهر من العيش مع القرويين تعلم الأطفال وتسليهم لحين وصول اللقاح المطلوب والمعلن عنه، وبالفعل بعد اتصالات حثيثة أتى شخص مرسول من قبل المنظمة ومعه الدواء في صندوق معدني، سلمه اياهم لفك أسرها وتم تجريب عينة في فمها اولا، وبعدها اخذ الخاطفون صندوق الدواء وأطلقوا سراح الدكتورة، وذهبت هي برفقة زميلها عائدين لمطار هونغ كونغ وأثناء انتظار موعد صعودهما للطائرة أباح لها المسؤول الأممي بأن الدواء الذي أحضره لهم ليس إلا دواء مستعار، وهمي ولا علاقة له باللقاح أو أي نوع من العلاج، اندهشت من كلامه وتركته حالا وذهبت وحيدة لقرية الأطفال!.

مشهد ترك علامة استفهام وتعمق أكثر في حوار آخر حول التوصل لدواء فعال ضد الفايروس، والذي سيعلن عن نجاعته قريبا، لقاح سيكون بيد الدول الكبرى وتحديدا الغربية منها! إنه استحواذ عنصري وغير أخلاقي.

وكما لو أن رسالة الفيلم وصلت لمن يعنيهم الأمر في الوقت الحاضر، فقبل 3 أيام نظمت المفوضية الأوربية حملة تبرعات بتاريخ 4 مايو 2020 من خلال اجتماع عن بعد بتقنية الفيديو، شارك فيه زعماء العالم وقدموا تبرعا بثمانية مليارات دولار من أجل مكافحة الوباء وتطوير لقاح ضد فيروس كورونا ”كوفيد - 19“. وأثناء الإجتماع ناشدهم المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس جيبريسوس بقوله: ”المعيار النهائي للنجاح لن يتعلق فقط بالسرعة التي يمكننا من خلالها تطوير أدوات مكافحة الفيروس ولكن أيضا بمدى توزيعها بشكل عادل، لا أحد منا يقبل بعالم يجد بعض سكانه الحماية وبعضهم يظل معرضا للخطر“.

وينبري هنا السؤال؛ لماذا قال رئيس منظمة الصحة العالمية هذا الكلام ووجه للزعماء المتبرعين، أفي الأمر ما يوحي بالتوجس! أم هي مجرد مناشدة إنسانية.

ايقاع فيلم عدوى يخبرنا بالجهود التي تتواصل فصولها في أكثر من مكان لإيجاد المصل باسرع ما يمكن. حيث يعمل الأطباء المختصون للسيطرة على المرض في محاولة لوقف تفشيه، وتسابق محموم لإيجاد العلاج الفعال للقضاء على الفايروس الذي يقتل ضحاياه كل يوم. عمل مطرد داخل المختبرات وبحث متواصل للإقتراب من العلاج المناسب، عينات مختبرية من دواء في طور التجريب، أُعطي لبعض المتطوعين، وفي نفس الوقت جهود تتضافر لإرسال التحذيرات للمواطنين لأخذ الاحترازات الإجرائية، تتوالى الصور الموجعة، لأناس عاديون لا حول لهم ولا قوة يكافحون من أجل البقاء. وسط هذه المعمة وحالات الفزع أخليت المدارس، وحوصرت أماكن وأقيم الحجر الصحي على المدن وانتشر الجيش على الطرقات لمنع عبور السيارات.

ثمة لقطات مرت سريعة على أمكنة كثيرة خالية مقفرة، من ضمنها دور العبادة، وصور حزينة لمساجد لا يوجد بداخلها اي أحد من المصلين؟! لقطة مثيرة للشك والريبة هل المسألة حبا وتعاطفا تجاه المسلمين أما ماذا؟!

هل خطر على بال أحد بأن مساجدنا سوف يأتيها زمن تكون مهجورة من المصلين، وتكون أبوابها مؤصدة إلى أجل غير مسمى؟ وحده فيلم ”عدوى“ انبأنا قبل حدوث الأمر المرير!!