آخر تحديث: 5 / 6 / 2020م - 2:50 م  بتوقيت مكة المكرمة

فرص من رحم الجائحة «8»

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة الاقتصادية

إن كانت ”كورونا“ قد أفرزت درسا صناعيا هائلا لا مفر من استيعابه فهو ضرورة إعادة الهيكلة بغرض تعظيم مساهمة المحتوى المحلي، ولا سيما المورد البشري مالكا وموظفا وكدادا. وهذا أمر لا تستوي فيه الدول، وفي حالة الاقتصاد السعودي فقد ثبت لنا من خلال التجربة الراهنة، حتى من تجربة الأزمة المالية 2008 2009، صدق مقولة ”القرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود“، ففي كلتا الجائحتين، السابقة وكانت مالية اقتصادية، والراهنة وهي صحية اقتصادية، ثبت أن مساهمة الاحتياطيات كانت ارتكازية لامتلاك المرونة لامتصاص الصدمة وبالتالي التخفيف من تداعياتها محليا. لكن كيف تبني الدول احتياطياتها؟ بإجابة قصيرة وبسيطة: أن تصدر أكثر مما تستورد وأن يستثمر فيها أكثر مما تستثمر هي في الخارج. وهكذا، نجد أن الأمر يدور في ”فلك“ ميزان المدفوعات، وهو محصلة تعامل الدولة مع العالم خارجها.

وإعادة الهيكلة بالتأكيد، لا تعني الانغلاق، فطبيعة الاقتصاد السعودي بعيدة عن ذلك. لكنها هنا تعني إعادة التوجه الاستراتيجي ليصبح متمحورا حول تحقيق أمرين في آن معا: الإحلال محل الواردات وتحفيز الصادرات. وعلى الرغم من أن الحديث في الدهاليز كثر في قضية التجارة الخارجية، إلا أن الصادرات النفطية كانت دائما ”المنقذ“ للميزان التجاري من العجز. وهكذا، وعلى الرغم من امتداد الحديث لعقود عن أهمية التجارة الخارجية غير النفطية إلا أننا لم نحقق الطموح. وفي عام 2019، بلغت قيمة التجارة الخارجية للسعودية 1,52 تريليون ريال، محققة فائضا قدره 439 مليار ريال متراجعا بنحو الربع عن عام مضى. وغني عن الإشارة أن عماد الصادرات السلعية هما النفط والبتروكيماويات الأساسية، وأهم الصادرات السلعية بالترتيب من حيث القيمة: النفط ثم المنتجات النفطية المكررة ثم البتروكيماويات، وهذه تمثل مجتمعة نحو 93 في المائة من الصادرات.

أما الواردات فأهمها منتجات الصناعة الهندسية من آلات وأجهزة ومعدات. وتصبح الصورة أكثر وضوحا عند الحديث عن تجارة الخدمات، حيث نعاني عجزا متواصلا عبر الأعوام، ففي عام 2018 ”وهي آخر عام متاحة له إحصاءات“ بلغ عجز الخدمات 240 مليار ريال، ومن مسببات العجز خدمات النقل ”42 مليارا“ على سبيل المثال. وإضافة للعجز في الخدمات، لدينا عجز في العمالة يتضح من خلال تحويلات العمالة الوافدة.

وما دمنا ما برحنا نعايش تداعيات ”كورونا“ فلنتصور: تراجع صادرات النفط بنحو النصف لهذا العام، مع ثبات الإنفاق على الواردات، وبقاء العجز في الخدمات، وثبات فاتورة العمالة الوافدة، واضطرارنا السحب من الاحتياطي للتعامل مع تداعيات ”كورونا“. النتيجة أن علينا إعادة هيكلة تجعل بناء الاحتياطيات نهجا مستداما. ”يتبع“.

رئيس مركز جواثا الاستشاري
مؤسس شركة وطن للاستثمار