آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 1:49 م

شهر المغفرة «16»

محمد أحمد التاروتي *

غياب النظرة الفلسفية لفريضة الصيام، تحشره في زاوية، ”الامتناع عن الشرب والاكل“، مما يفقدها الكثير من المعاني العميقة لتكرار هذه العبادة السنوية، فالعملية تتجاوز التفكير السطحي لعملية الصيام، لتدخل في مجالات عميقة للغاية، بيد ان المشكلة تكمن في القدرة، على اغتراف تلك المعاني الفلسفية، والعمل على تجسيدها على الصعيد الخارجي، الامر الذي يعيد ترتيب التفكير في التعاطي بطريقة مغايرة، مع عملية الالتزام بعبادة الصيام طيلة ساعات النهار، وبالتالي فان العملية تتطلب الوقوف بشكل طويل، للحصول على جزء من الأهداف، والمعاني المكتسبة للصيام، على الصعيد الإنساني، والعقلي، والعاطفي، والأخلاقي، والاجتماعي، والتربوي.

الدخول الى عمق معاني الصيام الإنسانية، يستدعي تحريك المشاعر الداخلية للإنسان، خصوصا وان الصيام يجعل المرء قادرا على التحسس، بالمعاناة الحقيقية للجوع والعطش، ”الجوع كافر“، وبالتالي فان محاولة الشعور بمقدار معاناة الجياع، تتطلب الدخول في التجربة بشكل عملي، بيد ان الحصول على تلك الدروس والعبر، لا تكون أحيانا بخوض التجربة لمرة واحدة، او أسبوعا كاملا، او شهرا متواصلا، فهناك بعض البشر بحاجة الى خوض هذه التجربة بشكل سنوي، لاظهار الجانب الإنساني بشكل واضح، وبالتالي فان الصيام قادر على وضع المشاعر الإنسانية، في المسار الحقيقي لدى شريحة واسعة من الصائمين.

بالاضافة لذلك فان الجانب العاطفي يدخل ضمن المضامين العديدة، لفريضة الصيام، فالامور النظرية ليست قادرة على تصويب بعض المشاعر العاطفية، لدى بعض الشرائح الاجتماعية، مما يستدعي الانخراط في المعاناة التي يكابدها الفقراء والمحرومين، من اجل الحصول على قوت اليوم، مما يعزز الجانب العاطفي لدى الشرائح الميسورة والمقتدرة، خصوصا وان الصيام يضع الجميع في خانة المسؤولية المشتركة، تجاه العديد من الفئات المحرومة او الفقيرة، بحيث تدفع نحو الوقوف مع تلك الشرائح المتعففة، لمساعدتها على تحمل ضنك العيش، وتقديم المساعدة، لاخراجها من البؤس والفقر قدر المستطاع.

الجانب الأخلاقي، يمثل احدى الركائز لعبادة الصيام، خصوصا وان الصوم يمنع من الاقدام على الممارسات الخاطئة، او التقليل من الاعمال السيئة، سواء للخوف من جرح الصيام، والخروج عن احدى الأغراض لفريضة الصيام، او نتيجة الالتزام بجميع متطلبات الصيام، الامر الذي يعزز الجانب الأخلاقي لدى الصائم طيلة ساعات النهار، وبالتالي فان الصيام يعزز قيمة التعاملات الأخلاقية، في الممارسات الخارجية لدى المجتمعات، لاسيما وان السلوك الخارجي يمثل العنوان الأساسي في رسم الشخصية لدى مختلف الأطراف، مما يفرض على الصائم الالتزام بالجوانب الخلقية، لابزار الصورة الراقية، لدى المسلم طوال شهر رمضان المبارك، فالصيام قادر على تقويم بالعديد من السلوكيات غير الأخلاقية، ”الدين المعاملة“، بمعنى اخر، فان الجانب الأخلاقي يمثل احدى انعكاسات فريضة الصيام، ويخلق الظروف المناسبة لاشاعة العلاقات، القائمة على مبدأ الاحترام المتبادل، بعيدا عن الخصومات والدسائس، التي تحاك في الغرف المظلمة.

العنصر الاجتماعي، يمثل احدى السمات الواضحة لفريضة الصيام، حيث يسهم شهر رمضان في توطيد العلاقات الاسرية في الاطار الضيق، ويعزز الكثير من العلاقات الاجتماعية على الاطار الواسع، اذ يمثل اجتماع الاسر على مائدة الإفطار، احدى معالم الجانب الاجتماعي لشهر رمضان المبارك، حيث يحرص الجميع على الاجتماع في أوقات الإفطار بخلاف الأشهر الأخرى، بالإضافة لذلك فان الترابط الاجتماعي يظهر بشكل أوضح، مع هلال شهر رمضان المبارك، من خلال التواصل مع الاخرين، ومحاولة إعادة شبكة العلاقات الاجتماعية مجددا، بعد اشهر من القطيعة، سواء كانت مقصودة او غير مقصودة.

الجانب التربوي عنصرا حاضرا في شهر رمضان المبارك، حيث يتجلى ذلك في طبيعة العلاقات الاجتماعية داخل الاسرة الواحدة، فضلا عن الحرص على إشاعة الممارسات التربوية، ذات العلاقة المباشرة بين الإباء والأبناء، حيث تتمثل في العديد من الاعمال داخل البيت الاسري الواحد، مما ينعكس على طبيعة العلاقة المستقبلية، لاسيما وان شهر المغفرة يمتلك قدرة فائقة، في تكريس العديد من الجوانب التربوية، على مختلف الأصعدة، الامر الذي يستدعي الحرص على تعميق النظرة التربوية، للخروج بحصيلة وافرة خلال الشهر الكريم، ”صوم القلب خير من صوم اللسان وصوم اللسان خير من صوم البطن“.

”أيُّها الصَّائم تدبَّر أمرَك، فإنَّك في شهرِك هذا ضيفُ ربِّك، أُنظر كيف تكون في ليلِك ونهارِك، وكيف تحفظُ جوارحَك عن معاصي ربِّك“.

كاتب صحفي