آخر تحديث: 29 / 9 / 2020م - 11:54 م  بتوقيت مكة المكرمة

رجوع المَلاَّلة

قبل عصر الازدهار الاقتصادي الحديث كانت حيطان الكثير من بيوتِ الأسر المعدمة في مناطقنا من جريدِ النخل وأَسقفها من جذوع النخل. وكان أصحاب المساكن يعلقون في السقف ”مَلاَّلة“، وهي لمن لم يشهد أيامَ زمان عبارة عن حافظة طعام مجدولة مما توفرَ من جريد النخل «الخوص» يوضع فيها الأكل البَائت أو ”البيوتة“، وهو ما فضل من طعام كل يوم يعلق بحبال في السقف، وفي الغالب لم يفضل إلا شيئا يسيراً.

وبما أن أغلب الناس يعرفون بالتجربة والرؤية، لم يعرف أبنائي وأحفادي هذا المصطلح وأظن أن من هم دون الخمسين في المجتمعات الحديثة لم يعرفوه من قبل، فتراهم يتندرونَ ويهزأونَ ممن يطفئ الأنوارَ الزائدة عن الحاجة ويقفل صنبور الماء عندما لا يستخدمه، ويغلق مبرد الهواء بعد الخروج من الغرفة خصوصا بعد إحالتهم على الضمان الاجتماعي! فقد وجدت من المفيد التعرف عليه في وقتِ الأزمات المستجدة. 

حكمة الأهل أن حيلة ”الملالة“ هي من أجل حفظ الطعام من سطوة السنانير، ولا يستبعد أن غرضهم أيضا كان حفظ الطعام من أن تصل إليه أيدي الصغار دون معرفة الكبار فيختل اقتصاد المنزل الهش آنذاك. حافظت حنكة التصرف في الأمور على ضبط الميزانية الهزيلة أصلاً، وأيضا كبر الأبناء والبنات نحفاءَ أصحاءَ ولله الحمد.

زارتنا المدنية وانتقلت الأسر من المساكن المتواضعة المكتظة بالساكنين إلى بيوت الأسمنت المتينة، الواسعة يسكنها عدد أقل، وأصبحت حافظة الطعام عبارة عن براد كهربائي واسع، واحدٌ أو أكثر في كل دار، تحفظ فيه أنواع الطعام الذي قد يبقى بعضه أياما ثم يرميه المترفونَ والمعدمونَ على حدٍّ سواء مع النفاياتِ المنزلية. 

لا أخفيك سرَّا لا يزال معنى ”الملالة“ حاضراً في ذهني ويقيم في قلبي منذ ذلك العهد لاعتقادي الراسخ أنه حتماً سوف يعود في دورات الزمن كما حتمية دوران الأرض والشمس. في الواقع توسع المفهومُ في مداركي ليشمل كل ما لا تحتاجه العائلة وتستطيع الاستغناء عنه من زينةِ الحياة وزخرفها التي ليست إلا هدراً وإضاعة لثروةٍ يمكن الانتفاع بها في اليوم الأسود. 

هو بكل بساطة لمن لم يدركه عبارة عن نظرة حذر وقراءة للمستقبل الذي قد يستجد. وبلغة العصر الحديثة، ”وفر قرشك الأبيض ليومك الأسود“، ولا تعتمد سياسة ”اصرف ما في الجيب يأتيكَ ما في الغيب“. وفي كل الأحوال لا تحمل نفسكَ أكثر مما تطيق من الأعباء، فالدنيا سوف تتحول أسرع من وميضِ البرق ومتى ما تحولت وجادت عليك فجد بها على نفسك وعلى من أحببتَ وحافظ عليها، وكن عبداً شكوراً وبصيراً  في أوقاتِ الحاجة كما كان من سبقك!

بين اليوم والأمس يخطئ من يظن أن كل الناس في العالم تأكل اللحمَ الطَري كل يوم، فقد كان سكان مناطقنا في الماضي يمضي أسابيع وربما شهور والبعض لا يأكل اللحم، حتى الأثرياء كانوا لا يأكلونه كل يوم، وكانت الأعياد والزواج فرصة لأكل اللحم. واليوم على ضفاف الحياة هناك أيضا من البلدان والمجتمعات الأخرى من لا يتذوق هو وعياله اللحم إلا في مثل هذه الموائد، فمن يعطي ضماناً على دورات الحياة؟ وهي التي أحوالها في صعود ونزول دائم، ولا ثبات لشيء من أوضاعها.

مستشار أعلى هندسة بترول