آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 1:49 م

شهر المغفرة «21»

محمد أحمد التاروتي *

تشكل وصية الإمام علي وثيقة أساسية، في الاليات المتبعة للتعامل مع القتلة، أو المجرمين، حيث حملت الكثير من المضامين، والعديد من الضوابط الواجب انتهاجها، في التعاطي مع القتلة، خصوصا وأن الإجرام لا يلغي الجانب الإنساني على الإطلاق، الأمر الذي يستدعي تغليب القواعد الأخلاقية على الجانب الانتقامي، بيد أن ذلك لا يلغي القصاص، وتحكيم ميزان العدل، في استخدام الحق العام، وكذلك التعامل مع الحق الخاص ”يا بني عبد المطلب: لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين خوضاً تقولون قتل أمير المؤمنين ألا لا يقتلن بي إلاّ قاتلي“.

النظرة الإنسانية للمرتضى تجاه قاتله، تكشف الالتزام بالقواعد الدينية، والموازين الأخلاقية، في التعامل مع القتلة، خصوصا أن إرخاءالعنان لعنصر الانتقام، يحرق اليابس والأخضر، مما يستدعي تحكيم القانون في تطبيق العدالة، بعيدا عن التشفي، أو محاولة استخدام ”العدل“ كوسيلة للإفساد في الأرض، والعمل على أخذ الاخرين بجريرة القاتل، فالعدل يستدعي وضع الأمور في المسار الصحيح، بعيدا عن الجور والظلم بمختلف أشكاله " ولا يمثل بالرجل فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول:“إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور”.

الوصية التي حفظتها ذاكرة التاريخ، حملت الكثير من المضامين، بيدأن قضية التعامل مع ”ابن ملجم“، تستحق الوقوف عندها طويلا، باعتبارها أسس لوضع التشريعات المتعلقة، بقضية التعامل مع الأسرى والمجرمين، فكما أن القاتل مطالب بالقصاص، وعدم السماح له بالافلات من العقاب، نظرا لفداحة الجرم ”مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ?“، ”هدم الكعبة أهون على الله من إراقة دم المؤمن“، بيد ان تلك الحقوق المشروعة للقصاص من القاتل، لا تلغي بعض الحقوق الإنسانية التي تستوجب توافرها، ”وارحمه وأحسن اليه وأشفق اليه بحقي عليك. أطعمه يا بنيّ مما تأكل واسقه مما تشرب ولا تقيد له قدما ولا تغلّ له يدا فإن انا مِتُّ، فاقتصّ منه بأن تقتله بضربة واحدة“، بمعنى اخر، فان القتل كما يمثل عملا اجراما يستحق العقاب في الدنيا والاخرة، فانه لا يستدعي استخدامه - القتل - كوسيلة للظلم، وسلب الحقوق الإنسانية المكفولة للمجرم، اثناء فترة السجن او قبل الخضوع للمحاكمة العادلة.

الامام علي وضع دستور أخلاقي، وبيان واضح لحقوق الانسان، ضمن سطور قليلة، فقد حدد الكثير من الحقوق المشروعة للأسرى والمجرمين، ”انظروا إذا أنا مت من ضربته هذه فاضربوه ضربة بضربة“، فالوصية وضعت خطوطا حمراء للتعامل مع المجرم، مما يفرض عدم تجاوزها على الاطلاق، مهما كانت الدواعي والمبررات، فاصحاب الدم مطالبون بوضع تلك الضوابط في الاعتبار، بهدف وضع الأمور في الميزان الديني والأخلاقي، والحيلولة دون الانخراط في طريق سفك الدماء، بطريقة غير مشروعة، وبالتالي فان الوصية اماطت اللثام عن الكثير من التصرفات غير المسؤولية، التي تطال المجرمين بدعوى المطالبة بالقصاص، خصوصا وان سيطرة الحقد والانتقام تدفع البعض لانتهاج طريقة غير أخلاقية، مما يضع الموازين الأخلاقية في خانة خطيرة للغاية، نظرا لاستخدامها بالطريقة الخاطئة وبالشكل غير الإنساني.

وصية سيد الاوصياء للحفاظ على كرامة قاتله، والحرص على الجانب الإنساني، تمثل صرخة مدوية في وجه التاريخ القديم والحديث، خصوصا وان تلك الضوابط الأخلاقية والقواعد الدينية، تمثل مخرجا لكثير من التجاوزات، التي تمارس في الليل والنهار، فالتاريخ يحمل الكثير من الصورة البشعة في طريقة التعذيب، او الممارسات الانتقامية، بمبررات تطبيق العدالة واجتثاث الظلم من الأرض، بيد ان تلك الممارسات تمثل تكريسا واضحا للظلم، وتعزيز امتهان كرامة البشر بطريق مختلفة، وبالتالي فان إعادة صياغة مفهوم ”دستور الاسرى،“ يتطلب إعادة ترتيب القواعد الأخلاقية الحاكمة، في التعاملات البشرية، لاسيما وان الانتقام يمثل العنصر الحاكم في استخدام اليات التعامل مع الاسرى، فالشعور بالقوة ومحاولة اظهار الولاء او المحبة، تشكل منطلقا لسفك الدماء بشكل غير مسبوق.

يا بني عبد المطلب: لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين خوضاً تقولون قتل أمير المؤمنين ألا لا يقتلن بي إلاّ قاتلي انظروا إذا أنا مت من ضربته هذه فاضربوه ضربة بضربة ولا يمثل بالرجل فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: “إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور”

كاتب صحفي