آخر تحديث: 29 / 5 / 2020م - 11:37 م  بتوقيت مكة المكرمة

ومضات رائية «7 - 8»

حسين الخليفة

تصدير: هي سلسلة من ومضات لا تتقيد بتجنيس الومضة ومحدداتها المتداولة في التنظير النقدي، بل تنطلق من إمكاناتها اللغوية، لتشمل محمولات الحرف في تنوعاتها المختلفة.

«7»

من المضحك غير المبكي أن ترى من يرفض ما تجسده مقولة: ”لولا اختلاف الأذواق لبارت السلع“ فحتى الأدبيات والذوقيات تنسحب عليها المقولة تلك، ولقد صدق من أعطى «أنين الناي» صفة «البقاء» أعطاه إيَّاها وهو يعيش مهجر التحولات..

أعطاه إيَّاها لا لشيء إلا لأنَّ حسه الإنسانيَّ المرهف أدرك أنَّ القلب سيستمر بالنبضات، وإن اختلفت على حيازته الصدور..

ومن المبكي غير المضحك أن يستمر المتنطعون في الإصرار - بالرغم من فشلهم المزمن، وهو مبعث البكاء والشفقة عليهم - على اجتثاث «الثابت» الراسخ في حركة تمثلات الكلمة وبوحها لدى الإنسان منذ ”عيون المها بين الرصافة والجسر“ وحتى ”عيناك غابتا نخيل ساعة السحر“، فكلا المقتبسين هما من المجالات التي يشتغل عليهما الناي ويبث من خلالهما الأنين..

لكنَّ المضحك المبكي حدّ انقطاع القلب من الضحك والبكاء أن ترى المتولهة أرواحهم بالناي يئنون من «تحوّل» نبضات أفئدتهم عن التماهي مع تموجات الروح...!

وتلك هي مشكلة الطبقة الثالثة المستعصية، من غير ذوي البصيرة ومن غير طلابها.

«8»

ومن باب عطف المصداق على المفهوم الذي عالجته الومضة السابعة في «تقاسيم الضحك والبكاء»، تأتي ومضة المصداق هذه لتذكر بما تطرقت إليه المقالة المعنونة ب «اعتذار التنفيس في تبرير النص السيابي المتضاد ورؤية أدونيس» فتستعيد النقد الذي وجهه أدونيس لنص السياب الشعري المشوب بنزعة إبلاغية خطابية تقريرية منعت نصه من التخلص النهائي من «ثابت» ماضوي، مما أصاب القصيدة السيابية بالقصور والفشل في اللحوق بقطار «التحول» الأدونيسي الذي يحقق الشِّعرية الصافية الفذة بحسب ما يراها الأخير.

إن أدونيس المسكون بثنائية «الثابت والمتحول» نثراً وشعراً قد يستميل من يستميل في الجانب التنظيري، والفضاء النقدي له قابلية استيعاب الرؤى المتنوعة، غير أننا لو قمنا بمسح ميداني من حيث العمق والسطح وقمنا بقياس نبض النص الإبداعي وتثمينه من خلالهما لوجدنا أن نص السياب الشعري قد بلغ مبلغه من السعة والانتشار جماهيرياً ونخبوياً، فثراؤه الإبلاغي «الخطابي» قد رشحه لتلتقطه «حنجرة المغني» وما «سفر أيوب وغريب على الخليج» وحتى «أنشودة المطر» التي بلغت من العالمية مبلغها وتكالب على دراستها المختصون في الأدب المقارن، قد غُنّيت مع النصوص الأخرى من شعره، سوى شاهد على جماهيرية النص السيابي، وأما عمق لغته فتترجمه البحوث والكتابات والدراسات التي أشبعت نصه بحثا ودرساً ولا زالت، حتى إن إحصائية ظهرت بعد رحيله بعشرين عاماً لتجمع لنا أكثر من ألف عنوان ما بين بحث ودراسة حول شعر السياب.

إنَّ السياب شاعر مرهف الحس، وقد أدرك بفطرته «ثبات» انثيال المشاعر فلم يحد عنه بل جعل منه عصب القصيدة المكشوف والنابض في جسدها الغني بالإغراءات الفنية، فجمع بين استمالة قلوب «العوام» وبين اندهاش «الخواص» ممن أشبعوا نصه بحثاً ودرساً ولا زالوا.

ومن يريد أن يقف على الدوافع النفسية التي دفعت أدونيس للنيل من شعرية السياب في الجانب المذكور فله أن يعود إلى مقالة «اعتذار التنفيس..» لتظهر أمامه قامة السياب الشعرية التي لم يصل ولمَّا يبلغ مبلغها أدونيس.

إنَّ المقارنة بين الشعراء من حيث المنجز الإبداعي الشعري كفيلة بتعميِق الوعي الشعري لمن يقوم بها ولمن يطلع على نتائجها، ولذلك تكتسب المقارنات والموازنات في تراثنا الشعري القديم مشروعيتها بلحاظ استضاءاتها النقدية، كما أن شعرنا المعاصر لا غنى له عن بلوغ النضج المتوخى من هذا الباب.