آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 2:32 م

شهر المغفرة «24»

محمد أحمد التاروتي *

التقرب الى الله مرتبط في الغالب، بالقدرة على وضع موازين ثابتة في العمل الصالح، فالمرء الذي يتحرك وفقا لهدف كبير، فانه يعمل على مدار الساعة لرسم الاليات المناسبة، لاختصار الزمن وتحقيق الهدف المنشود، مما يدفعه للقفز على الأشياء الهامشية، والتركيز على الهدف الكبير، باعتباره الأكثر أهمية والاجدى بالاهتمام، لما يمثل من محورية ومركزية على الصعيد الذاتي من جانب، ومن جانب اخر، فان الأهداف الكبرى قادرة على بناء الشخصية، وتنظيم البنى الفكرية بشكل عام.

الأهداف الكبرى للفرد مرتبطة بالنظرة المستقبلية، وطريقة التعاطي مع الحياة الدنيوية، فالبعض يضع الحياة هدفا أساسيا ومحوريا، مما يجعله يدور ضمن دائرة المصالح الدنيوية، في جميع الاعمال، والكثير من الممارسات الحياتية، ”وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ“، ”وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ? وَمَا لَهُم بِذَ?لِكَ مِنْ عِلْمٍ ? إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ“ ”ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين“، وبالتالي فان أسلوب التعاطي مع الحياة يحدد طريقة التفكير، وكذلك يضع الاليات المستخدمة في تحريك الفكر نحو المحيط الخارجي، سواء على الصعيد الفكري او العملي.

فيما النظرة القائمة على الأهداف الاخروية، تضع موازين مختلفة تماما، وأساليب متعددة، خصوصا على صعيد التفكير المنهجي في الحياة الدنيا، ”الحياة قنطرة الاخرة“ ”قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ“ ”وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ“، بمعنى اخر، فان المرء ينطلق في التعاطي مع الحياة من الأهداف التي يحملها، فاذا كانت مرهونة بمغريات الدنيا، ومحاولة الانغماس في ملذاتها، فانها تكون سطحية وغير عقلانية، بحيث تظهر على السلوكيات الخارجية، وكذلك على طريقة التفكير في الاستغلال المناسب للامكانيات المتاحة، فضلا عن حصر التفكير في الظرف الاني، بعيدا عن التفكير العميق، فيما بعد الحياة الدنيا، وبالتالي فان المرء مطالب بمحاولة إعادة التفكير بشكل عقلاني، خصوصا وان قناعات ”وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ?“ تنم عن قصور في القدرة على فهم الهدف الحقيقي للحياة ”أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ“.

النظرة المادية البحتة تدفع باتجاه التخبط في اكتشاف حقيقة الحياة، فالانغماس في الماديات يبنى جدارا من الحجب على العقل، مما يعطل حركته الاعتيادية، ويشل من قدرته على رسم المستقبل الاخروي للإنسان، وبالتالي فان إزالة تلك الحجب تتطلب اثارة الدفائن، ”إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ“ و”يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا“، فالمرء بحاجة الى المزيد من التأمل لمراجعة الذات، وخلق الظروف المناسبة لاعادة منهجية التفكير، بما ينسجم مع الأهداف الحقيقية لخلافة الانسان على الاطلاق ”وَمَا هَ?ذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ? وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ? لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ“.

قياس مستوى التقرب الى الله تعالي، مرتبطة بالقدرة على اتخاذ الخطوات المناسبة، فالعملية ليست مرتبطة باليات محددة في العبادة، او غيرها من الاعمال الصالحة، ”تفكير ساعة خير من عبادة سنة“، ”مداد العلماء افضل من دماء الشهداء“، وبالتالي فان الاختيار الصائب للخطوات، عملية ضرورية لقياس مرضاة الله للاعمال، لاسيما وان الخوف من الطرد من رحمة الله تعالي، تتطلب البحث عن الاليات المناسبة، التي تدخل ضمن الاعمال الصالحة والمقبولة.

التحرك ضمن المنهجية الواضحة لكسب رضوان الله تعالي، تتجلى بشكل واضحة في اعمال الصائم خلال شهر رمضان المبارك، فهناك الكثير من الاعمال التي تقرب المرء من رضوان تعالي، وتبعده عن الطرد من رحمته، فالعبادة تحمل الكثير من الوجوه، وليست قاصرة على سلسلة ممارسات، او مجموعة من المفاهيم الخاصة، فالمساحة متروكة للمرء لاختيار الطريقة المناسبة لكسب الثواب، ضمن الضوابط الشرعية المنصوص عليها، ”لا يطاع الله من حيث يعصى“.
"أيُّها الصَّائم، إنْ طُرِدْتَ عن بابِ مليكِك فأيَّ بابٍ تقصد، وإنْ حَرَمَكَ ربُّك فمَن ذا الذي يرزقُك، وإنْ أهانك فمَن ذا الذي يُكرِمُك، وإنْ أذلَّكَ فمَن ذا الذي يُعِزُّكَ، وإنْ خَذَلَك فمَن ذا الذي يَنصرُك، وإنْ لم يقبلك في زُمْرَةِ عَبيدِه فإلى مَنْ ترجِعُ بعبوديَّتِكَ، وإنْ لم يُقِلْكَ عثرتَك فمَن ترجو لِغُفران ذنوبِكَ، وإنْ طالبَكَ بحقِّه فماذا يكون حجَّتُك".

كاتب صحفي