آخر تحديث: 4 / 6 / 2020م - 1:10 ص  بتوقيت مكة المكرمة

{وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}

موسى الخضراوي

حين تذهب للمباركة لزواج أحد الذين دعوك فادع له بالخير، وللعريسين بالسعادة والموفقية والذرية الطيبة.

من المعروف أن ثقافات الناس مختلفة وظروفهم كذلك، فضلا عن قناعاتهم أو عاداتهم وتقاليدهم، كما أنهم ليسوا بمستوى واحد من الإمكانيات ولا العلاقات.

وعليه؛ فإن ما ينطبق على هذا الفرد في الدعوة للزواج قد لا ينطبق على الآخر تماما؛ ولهذا لا توجد قاعدة عامة في ذلك يمكنها أن تكون موحدةً بين جميع الناس.

أحيانا - قليلة - تشعر أن مدعوّا ما جاء للتربص بصاحب الدعوة أكثر من حضوره للمباركة. وعندها يشغل نفسه ويشغل الآخرين بتوافه لا علاقة له بها، ولا منفعة فيها سوى إفساد السعادة بوعي منه تارة وبلا وعي تارة أخرى .

حين تدعو أحبابك وأرحامك وأهل مودتك فلا شك أنك ستكرمهم بما يليق بهم، وتحضر لهم ما يتناسب معهم من إيلام؛ ولأن الإيلام في الزواج مستحب - وخاصة مع القدرة - نرى أن جل الناس حديثا يقومون بمائدة يرونها مناسبة لهم كالبوفيه المفتوح المنظم الذي يكرم الضيوف ولا يرهق أهل الدعوة، وقد يكون بمائدة أخرى.

غير أني وجدت أن هناك شريحة - قليلة - من الناس منذ دخولها حفل الزواج وحتى الخروج تتلوّن وتتربص وكأنها كاميرات للمراقبة تبحث عن ثغرة على الداعين تتحدث عنها لاحقا في المجالس ومع الأرحام والمقربين للنيل من الداعي أو أسرته بدلًا من الثناء والشكر والدعاء .

عزيزي المتربص..

أنت تعيش مشكلة قلبية ونفسية قد تحرق فؤادك دون أن تشعر من خلال مراقبتك للآخرين ، فضلا عن أنك تسعى لأن تكون مثل أهل الدعوة - قدرا ومكانة - غير أن ظروفك لا تسمح بذلك، وتعيش في عقلك وقلبك بذورًا سوداء إن لم تجتثثها ستنمو وتمسي شجرة الزقوم فيك فتهلكك قبل أوانك.

مادام إيلام الناس من حر أموالهم ولأحبابهم وأهاليهم - ودون إسراف ولا تبذير - لا يكلفك شيئا سوى أن تملأ بطنك من موائدهم مما لذَّ وطاب فلا تنتقد أحدا، وطهر قلبك وعينك ولسانك من هذه العادة المريضة، واسعد وأسعدهم بالكلمة الطيبة والدعوة المباركة فحسب.

ألا نقرأ مثل هذه الآية الشريفة ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًاوَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ؟!.

ألا نرى وسط هذه التوصيات الدينية الأخلاقية ﴿وقولوا للناس حسنا؟!.

ليكن ذلك شعارًا لك في كل الدعوات وسواها مستقبلا لتسعد وتسعد من حولك.

إن امتهانك التربص بالناس وحديثك عنهم بما لا يليق برحم أو صديق يعكس ثلاثة أمور:

1 - أن عقلك وقلبك بحاجة لمنظفات جذرية، وأنت تعلم ذلك من خلال انقباضات قلبك وأحاسيسك وقت الدعوة.

2 - أنك لم تحمل من أخلاق القرآن وآل محمد إلا السراب؛ لأن تمني الخير للناس والدعاء لهم بالتوفيق من أولى أولويات آل محمد .

3 - أن الحرام والحلال ليس له مكان فيك، وإن أظهرت بعض شعارات التدين والاستقامة فما هي إلا مكياج يزول عند أدنى قطرة ماء.

4 - أنك تسعى للشهرة والأضواء وتتمناها - وإن كابرت - ولكن كان للقدر رأي آخر معك.

5 - أنك تسيء لنفسك قبل أن تسيء للآخرين بهذه العادات السيئة.

إن تعديل العادات وانتقاد بعض التقاليد السلبية الذي يخلو من الشخصنة، ويكون في الوقت المناسب، والمكان المناسب، وبالطريقة المناسبة، وببواعث رسالية طاهرة؛ جميل بلا شك، ويرسم مسيرًا مشرقًا للناس، وخاصة إذا كان الباحث ملمًا بحيثيات الأمور وتشعباتها وعلاقات الناس وأدوارهم وقدراتهم وقاماتهم أيضا. ونحن مع ذلك حقيقة واعتبارًا، ونرى ذلك عاملا رئيسا في تطوير المجتمع وتغييره للأفضل، كما أنه يعكس وعيًا نوعيًا ورؤية ثاقبة للمستقبل، لكنّا في الوقت نفسه لسنا مع شخصنة المبادئ، ولا التشهير بالناس، ولا التربص بهم أو الإساءة إليهم تحت أي مبرر.

وخلاصة القول:

إذا استكثرت أن تدعو لمن دعاك على مائدته، أو تبارك له، فلا تدع عليه أو تذمه، واعلم بأنك لم تكن جديرا بالدعوة، ولا أهلًا لها؛ غير أن كرم الداعي كالغيث يسقي كل مكان. فضلًا عن أن تعوّد الإنسان على الكلمات الرطبة الجميلة يحمل أبعادا ودلالات سامية في النفوس والأرواح لا عدّ لها ولا حصر.

لا شك لدينا أن جل المدعوين للحفلات قلوبهم طاهرة ونفوسهم نقية وكلماتهم عذبة تنساب في القلوب انسياب الماء في الجداول، غير أن هناك شريحة قليلة من الناس ليسوا كذلك أردنا تسليط الضوء عليها حتى لا تسود ثقافتها في المجتمع.