آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 1:49 م

شهر المغفرة «30»

محمد أحمد التاروتي *

يعمل الصائم منذ اليوم الأول لدخول شهر رمضان، على توفير المقدمات الضرورية للفوز بالجنان، باعتبارها الجائزة الكبرى التي لا تقدر ثمن، ”إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ? ذَ?لِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ“، فكل جهد يتواضع امام نيل هذه الجائزة، فالمرء يعمل بكل طاقته للابتعاد عن النيران، من خلال الالتزام بالفرائض والحرص على أداء المستحبات، وغيرها من الاعمال الصالحة، التي تقرب الصائم خطوات كبيرة نحو الجنان، ”قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ“.

وجاء في خَطَبة أميرُ المؤمنين في أوَّل يومٍ من شهر رمضان، في مسجد الكوفة، ”ولقد سمعتُ حبيبي رسولَ الله صلّى الله عليه وآله يقول: إنَّ لله تبارك وتعالى عند فطر كلِّ ليلةٍ من شهر رمضان عُتَقاءَ من النّار لا يعلمُ عددهم إلّا الله، هو في عِلْمِ الغَيْبِ عنده، فإذا كان آخر ليلةٍ منه أعتقَ فيها مثلَ ما أَعْتَق في جميعِه“.

الجائزة الكبرى - الجنة - هدف الانسان في الحياة، فالصائم يتحرك بكل جوارحه باتجاه التقرب الى الله، من خلال الكثير من الممارسات العبادية، لاسيما وان اقتناص الجائزة الكبرى تستدعي توطين الذات، وقهرها فيما يرضي الله، عبر الكثير من الاعمال الصالحة ذات الأثر الكبير، على ترويض النفس للارتقاء روحيا الى الخالق، الامر الذي ينعكس بصورة مباشرة على نوعية القيام بالاعمال العبادية، بحيث تتجاوز الأفعال الظاهرية لتخترق الجانب الروحي، مما يظهر على شكل الالتصاق والعشق الكامل، في مناجاة الله في السراء والضراء.

الصوم يترك اثرا واضحا في زيادة العشق الإلهي، نظرا لقدرة هذه الفريضة على دفع الصائم، على تحريك الجانب الروحي، وطرد الوساوس الشيطانية، مما يشجع على زيادة الجرعة العبادية طوال الشهر الكريم، فالصائم يحرص في جميع الأوقات على وضع الاعمال، ضمن دائرة التقرب من الله، ومحاولة تشكيل موانع مادية ومعنوية، مع مختلف الاعمال الشيطانية، الامر الذي يساعد في الاقبال الكبير على العبادات بمختلف اشكالها، سواء كانت على الصعيد الذاتي او الاجتماعي.

التفرغ الكامل للعبادة خلال شهر رمضان، يشكل عنصرا مساعدا في زيادة الخطوات باتجاه حصد ”الجائزة الكبرى“، خصوصا وان فترة الصيام التي تمتد لمدة شهر كامل، قادرة على تهيئة النفس على التعامل بشكل مختلف مع المشاغل الحياتية، التي تشتغل حيزا واسعا من وقته طيلة السنة، نظرا لوجود فسحة زمنية كبيرة لزيادة الجرعة العبادية، مما يحفز على تخصيص الكثير من المستحبات، سواء خلال ساعات النهار او أوقات الليل، مما يعطي الصائم خيارات كثيرة للاقبال على هذه الاعمال المستحبة.

رحلة الفوز ”الجائزة الكبرى“ ليست مقصورة على شهر رمضان المبارك، فالمرء مطالب بالحرص على الاعمال الصالحة، باعتبارها الزاد الحقيقي في الدنيا والاخرة، مما يتطلب التحرك الجاد بما يعود عليه بالثواب الكبير، خصوصا وان باب عمل الخير مفتوح على الدوام، بحيث لا يقتصر على اعمال محددة، بيد ان الصيام يحفز على الاعمال العبادية، نظرا لتوافر المقدمات التي تحث على الانخراط في الاعمال الصالحة ”الشياطين مغلولة،“ عبادَ الله، إنَّ شهرَكم ليس كالشُّهور؛ أيّامُه أفضلُ الأيّام ولياليه أفضلُ اللّيالي وساعاتُه أفضلُ السّاعات، هو شهرٌ الشّياطينُ فيه مغلولةٌ محبوسَة، هو شهرٌ يزيدُ الله فيه الأرزاقَ والآجالَ، ويَكتب فيه وَفْدَ بيتِهِ، وهو شهرٌ يقبل أهل الأيمان بالمغفرة والرّضوان والرَّوْح والرَّيحان ومرضاتِ الملِك الديَّان".

مع انتهاء شهر المغفرة والتوبة، يبقى العتق من النيران والفوز بالجنان، النجاح الحقيقي في الدنيا والاخرة، فقبول الاعمال يمثل ”الجائزة الكبرى“، مما يستدعي مواصلة مشاور التقرب الى الله لتعميق العلاقة الروحية مع الخالق، لاسيما وان الصائم يتطلب لقبول اعماله من خلال الإخلاص الكامل في الصوم، فالرياء يهدم الاعمال مهما كانت كبيرة ”وَإذَا قَامُوا إلى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالى يُرَاؤونَ النَّاس“، ”واعملوا لله في غير رياء ولا سمعة“، فيما الإخلاص ينمي الاعمال مهما كانت صغيرة ”فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ“، ”اخلص قلبك يكفك القليل من العمل“، " الإخلاص أشرف نهاية"، " الإخلاص غاية الدين"، "الإخلاص عبادة المقرّبين "، " الإخلاص ملاك العبادة" "اَللّهُمَّ لا تَجْعَلْهُ آخرَ الْعَهْدِ مِنْ صِيامي لِشَهْرِ رَمَضانَ وَاَعُوذُ بِكَ اَنْ يَطْلُعَ فَجرُ هذِهِ اللَّيْلَةِ إلّا وَقَد غَفَرْتَ لي غفر الله تعالى له قبل أن يصبح ورزقه الإنابة اليه".

كاتب صحفي