آخر تحديث: 30 / 9 / 2020م - 9:29 م  بتوقيت مكة المكرمة

عودة الكيلوات

في آخرِ يومٍ من شهرِ شعبان وقفتُ كما في كلِّ سنةٍ أقف فيها والكثير منكم يفعل، فوق الميزان ودونت وزني. ذلك الرقم الذي نجهد طوال السنة وراءَ أن يكونَ مستقرا عند الرقم الذي ينصحنا به الطبيب ويَتناسب مع سنواتِ عمرنا. لكن حكايتي مع هذا الرقم مثل حكايةِ الزمن الذي يُصعد ويُهبط القيمَ والأوزان فيرتقي ما نحب نزوله ويهبط ما نرغب صعوده.

مرت أيامُ شهرِ رمضان المبارك وأنا أفرح كلَّ ليلةٍ بالجرامات التي أخسرها وكأنها تتساقط تباعا مع ذنوبِ وخطايا الإسراف في الأكل. حتى أتت الفرحةُ الكبرى ليلة العيد، ناقصًا 4000 جرام، أو أربعة كيلوات بالتمامِ والكمال، إنجازٌ عظيم لمن هو الستين من العمر!

ندمتُ أيَّما ندم حين رأيت هذا الرقم والإنجاز العظيم تدهورَ في أول أسبوعٍ من شهرِ شوال، فبعد أقل من جمعةٍ واحدة عادت الأربعةُ كيلوات وعادت معها أخواتها من الوزنِ الثقيل، وعادت حكاية ”يابو زيد كأنك ما غزيت“.

مشكلتي مع كيلوات الشحم واللحم هي مشكلة العصر الحديث وسمة المجتمعات المقتدرة في الوقت الحاضر مع وفرة الطعام ورُخصه وقلة جودته مضافاً إليه عجز طاحونةِ العمر أن تتعاملَ معه كما يجب. مجتمعاتنا أصبح نهجُ الطعام فيها أنه لذة ومتعة يجب أن نمارسها ونحيا من أجلها طوال اليوم ”البقاء من أجل الطعام“، وليس كما كنا حين لم يكن الطعام متوفرا بما يزيد ”الطعام من أجل البقاء“.

إنَّ ما نرميه من أطنانِ الأكلِ في المزابل يكفي لحاجةِ الكثير من الناس فبعدما كنا نجهد ونجري مشرقين ومغربين من أجل الحصول على ما يكفي لطعامِ يومٍ واحد، بتنا اليومَ نجري في الطرقات بهدف التخلص مما تكدسَ في أبداننا وبطوننا وكرشنا. وبعدما كنا نشتكي من عللِ أجسامنا لقلة الطعام، أصبحنا اليومَ  نشتكي من عللِ أبداننا بسبب الإفراط في ما نستهلكه من الطعام.

أموالٌ وكلفة وصحة لو حافظنا عليها فمن المؤكدِ أننا سنكون في حالٍ أفضل ويكون بإمكاننا أن نوفرَ المالَ المهدور من ميزانيةِ الأسرة التي يشكل الأكل جزأ محترمًا منها ونصرفه في مآربَ أخرى أكثر أهمية وأقل ضررا من مباضعِ ومشارط الطبيب، فقط ليجعلنا أخفَّ وزنا!

مستشار أعلى هندسة بترول