آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 2:32 م

السلوك الاجتماعي.. الازمات

محمد أحمد التاروتي *

التحولات السلوكية مرتبطة بعوامل عديدة، بعضها ذات علاقة بالعامل الديني والعقائدي وكذلك نتيجة التطور الثقافي الاجتماعي، فضلا عن ارتباط تلك التحولات السلوكية بالتطور العلمي، فيما لا يمكن اغفال العناصر الاقتصادية في التأثير الكبير على السلوك الاجتماعي، بالإضافة الى العوامل السياسية المتسارعة، وغيرها من العوامل الخارجية والداخلية، المؤثر بشكل فاعل في احداث تغييرات جذرية، في بنية التفكير الجمعي لدى المجتمعات البشرية.

عملية التحول السلوكي، تارة تكون بطيئة وحذرة للغاية، نتيجة التخوف الكبير من الانقلاب السريع، على بنية التفكير الاجتماعي، والخشية من حدوث اختلالات حقيقية في النسيج الداخلي، مما يدفع أصحاب الحل والعقد لانتهاج سياسة التدرج في عملية الانتقال السلوكي العام، نظرا للافتقار الى الأرضية المناسبة للانخراط في المسارات الجديدة بالسلوك الاجتماعي، الامر الذي يفسر التباطؤ الكبير في التحولات السلوكية لدى بعض المجتمعات، خصوصا وان العوامل الداخلية غير قادرة على استيعاب أهمية الانتقال، باتجاه ”الضفة الأخرى“، وعدم التشبث بالسلوك القديم، مما يستدعي بذل الكثير من الجهد ووضع البرامج الهادفة لإزالة المخاوف، وتهيئة المناخ العام للانخراط الشامل في عملية التحديث، والانطلاق باتجاه الممارسات الأكثر قدرة على استيعاب لغة العصر.

فيما تكون الانتقالة السلوكية لدى بعض المجتمعات سريعة، وغير منضبطة مع طبيعة التفكير الجمعي، مما يشكل حالة من الاختلال الداخلي، وغياب القدرة على الاستفادة من ايقاعات العصر، نظرا للافتقار للادوات اللازمة لتسخير السلوكيات الخارجية بطريقة مناسبة، بحيث تظهر على شكل ”انفلات“ كبير في السلوك العام، مما يجعل عملية التحديث ضارة وغير نافعة بالمطلق، خصوصا في ظل غياب القدرة على تطويع لغة العصر بالشكل الملائم، فهناك الكثير من التجارب التي ساهمت في اخفاق، بعض المجتمعات في الاستفادة من التحديث، والانتقال الى سلوكيات اكثر انسجاما مع المستجدات العصرية، بمعنى اخر، فان ”الهرولة“ ليست قادرة على تحديد المسارات الصحية في بعض الأحيان، بقدر ما تسهم في احداث حالة من التخبط، وعدم الاستقرار الداخلي، بحيث تظهر على شكل قفزات غير متوازنة بين الفترة والأخرى.

السلوكيات المرتبطة بالازمات الخارجية، تساعد على إعادة رسم خارطة التفكير الاجتماعي، بيد انها ليست عنصرا حاسما في تحديد المسارات بشكل واضح، فالعملية مرهونة بالقدرة على الاستفادة من الازمات الخارجية، بما يحقق الفائدة المرجوة على المدى القريب والمتوسط والبعيد، وبالتالي فان محاولة ”الاتكاء“ على الازمات الخارجية في احداث التحولات السلوكية، لا تصب في الصالح العام أحيانا، وانما تسهم في وضع إطارات عامة وغير واضحة المعالم، بالإضافة لذلك فان العمل على دفع المجتمع، للتخلي عن السلوكيات السابقة نتيجة الازمات الخارجية، يحدث انقسامات داخلية بعضها عميقة احيانا ومؤقتة وغير مزمنة أحيانا اخرى، الامر الذي يستدعي توخي الحذر في استخدام الازمات، لتفادي ادخال البيئة الاجتماعية في مشاكل كبرى.

بدورها الازمات الداخلية تساعد على إعادة ترميم السلوكيات الاجتماعية، من خلال الاستفادة منها فيما يعود على الجميع بالفائدة الكبرى، خصوصا وان محاولة تطويع الازمات الداخلية لاحداث تحولات سلوكية، لا تخدم البيئة الاجتماعية، باعتبارها عملية ”جبرية“ وليست اختيارية، مما يحدث نوعا من الخلل في الفكر الجمعي، جراء الاختلال وعدم الاستقرار لدى بعض الشرائح، ومحاولة تسخير الازمات الداخلية في اتجاهات غير صحية، وبالتالي فان الدخول في معارك ”سلوكية“ على خلفية تسخير الازمات الداخلية، يعكس قصورا في التفكير لدى بعض الفئات الاجتماعية، لاسيما وان التحولات السلوكية عملية تدريجية أولا، وثانيا فان القناعة تمثل مدخلا أساسيا للانخراط في التغييرات السلوكية لدى العديد من الفئات الاجتماعية.

الازمات على اختلافها تشكل مدخلا للتفكير في احداث التحولات السلوكية، بيد انها ليست قادرة على الدفع بشكل جمعي للانخراط بشكل طوعي، في التخلي عن السلوكيات السابقة، مما يستدعي انتهاج الخطوات المدروسة والمتأنية، عوضا من اتخاذ الخطوات المتسارعة، نظرا لاثارها التدميرية على التفكير الاجتماعي بشكل عام.

كاتب صحفي