آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 1:43 م

عام كورونا

محمد أحمد التاروتي *

جائحة كورونا ستبقى محفورة في ذاكرة المجتمعات لسنوات طويلة، حيث سيتم تدوينها في الذاكرة البشرية باعتبارها من اكثر الأوبئة، التي سطت على العالم باسره، فقد استطاعت احداث تحولات كبيرة في بنية التفكير الاجتماعي، وكذلك تعطيل الحركة الاقتصادية، واغلاق الحدود بين الدول، فضلا عن الضحايا الذين يتساقطون بشكل يوميا نتيجة الفيروس القاتل.

ذاكرة المجتمعات البشرية تحفل بالعديد من الاحداث خلال القرون الماضية، فالتاريخ الحديث سجل وباء الطاعون والحروب العالمية، وكذلك الانفلولنزا الاسبانية وكذلك بعض الاحداث الخاصة بالمجتمعات، منها سنة ”الطبعة“ و”اليوم الأسود“ و" غيرها من التواريخ، التي ما تزال محفورة في صفحات التاريخ، والبعض الاخر مطبوع في الذاكرة البشرية.

التطور التقني وسرعة انتقال المعلومة، ساهم في رصد التطورات الخاصة، بوباء كورونا بشكل دقيق، مما يجعل الجائحة مادة دسمة لتسجيلها خلال بجميع تفاصيلها، على الصعيد الوطني والإقليمي والعالمي، نظرا لتوافر المعلومات الدقيقة في الغالب، وإمكانية الوصول الى البيانات بسهولة، الامر الذي يجعل الرصد عملية متاحة بخلاف عمليات رصد البيانات المتعلقة بالأوبئة، والاحداث الماضية، نظرا لمحدودية تلك المعلومات وعدم نقلها بدقة متناهية، مما يجعلها بعض البيانات موضع شك لدى الباحث والمؤرخ، مما يدفع لمحاولة البحث عن مصادر عديدة للوقوف على دقة المعلومات.

تحريف البيانات المتعلقة بجائحة كورونا، في ظل الضخ اليومي لتطورات الفيروس، سيكون صعبا ولكنه ليس مستبعدا، فهناك الكثير من الوسائل للتلاعب بالمعلومات، سواء لأغراض شخصية او لاهداف سياسية، بيد ان الجميع سيكون قادرا على الوصول الى البيانات، ومحاولة التعرف على الحقائق بشكل مباشر، فقد ولى زمن حصر المعلومات لدى بعض الأطراف، نظرا لدخول وسائل التواصل الاجتماعي في نقل المعلومات السريعة، واتاحتها للجميع على المستوى، مما يجعل التحكم في البيانات عملية صعبة حاليا، وبالتالي فان عام ”كورونا“ سيكون مختلفا تماما، في التعاطي مع الحدث ورصده بشكل دقيق.

رصد عام كورونا يشمل الإصابات وعدد الوفيات، حيث بدأت مراكز البحوث العلمية في دراسة هذه الجائحة، للوقوف على الأسباب الحقيقية وراء الانتشار غير المسبوق للفيروس، وانتقاله في غضون أسابيع قليلة في انحاء المعمورة، بحيث شكل ظاهرة فريدة تستحق الوقوف عندها كثيرا، فالفيروس يمتلك القدرة على اختراق جميع الحواجز، للوصول لاخر نقطة في الكرة الأرضية، الامر الذي ساهم في اعلان حالة الطوارئ القصوى، لدى مختلف الدوائر الصحية العالمية، بيد ان تلك الجهود لم تستطع وقف زحف الفيروس، او الحد من قدرته على الانتشار السريع، وبالتالي فان التحدي الذي يواجه المراكز البحثية يتمثل في إيجاد اللقاح لمكافحة الوباء، والعمل على فك شفرة الفيروس للتعرف على خصائصه التدميرية، وخطورته الكبرى في الانتقال بين البشر بشكل غير مسبوق.

كورونا سيدخل في الثقافة الاجتماعية بشكل مباشر، خصوصا وان وسائل الاعلام تناولت الوباء على مختلف الأصعدة، الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والصحية والاسرية، وغيرها من الجوانب الحياتية، مما يسهم في تأسيس مرحلة ثقافية اجتماعية مختلفة تماما، عن الثقافات السائدة في مرحلة ما قبل كورونا، وبالتالي فان المفردات الثقافية الاجتماعية ستكون مختلفة تماما، مما يعطي بعدا جديدا للمفردات اليومية في الوسط الاجتماعي، بحيث تحدث تموجات كبرى لدى مختلف الشرائح الاجتماعية.

عام كورونا حجز مساحة واسعة في الذاكرة البشرية، باعتباره حدث استثنائيا وغير عادي على جميع الأصعدة، فالوباء استطاع تأسيس مرحلة جديدة في التاريخ البشري خلال القرن الحالي، مما يجعله الحدث الأكثر تأثيرا في مختلف الجوانب الإنسانية والاجتماعية، وبالتالي فان عملية نسيان ”عام كورونا“ ليست واردة لدى مختلف المجتمعات، مما يجعل البشرية تتناقل تفاصيله الدقيقة غبر الأجيال القادمة، كما تناقلت الأجيال السابقة الاحداث الكبرى التي عاصرتها، وما تزال محفورة في ذاكرة الزمن، بالرغم من مرور قرون عديدة على وقوعها.

كاتب صحفي