آخر تحديث: 30 / 9 / 2020م - 9:29 م  بتوقيت مكة المكرمة

حينما نأكل أوَّل شريحةٍ من الخبز!

يقول الإمام علي :

إِذا كُنتَ في نِعمَةٍ فَارعَها
فَإِنَّ المَعاصي تُزيلُ النِعَم

وَحافِظ عَلَيها بِتَقوى الإِل?هِ
فَإِنَّ الإِل?هَ سَريعُ النِّقَم

في الحاضر من الزمان توفر في الأسواق الخبز المقطع ”شرائح“، وهو كيس فيه قطعٌ متساوية من الخبز كان في أول ظهوره من الطحين الأبيض والآن يباع في عدة أصنافٍ ونكهات ومكونات. كل الشرائح في الكيس متساوية في الطول والعرض والسُمْك إلا أول شريحة فهي في العادة أرق وغير مستوية الشكل، وكأنها فقط إتمام وزن وإبراء ذمة من البائع، مع أنها في نفس المذاق والفائدة. لعل لهذه القطعة غرض غير الأكل لم أعرفه بعد!

كل من في الدار يمرونَ على هذه الشريحة من الخبز مرورَ الكرام ويُعرِضون عنها حتى تنتهي في قرارة الكيس. فهي إذاً إما أن تكون طعامًا لمن يثمنها أو قوتًا للعصافير. وأنا من يأكلها الآن، لأن أمي وأبي وُلِدا في فترةٍ كان لقطعة الخبز معنى أكبر من حجمها، فكان عليهما أن يأكلا ما يجدان ولا يرميان منه شيئًا. كان هذا شأن أكثر من عاش في الماضي، وهكذا يجب أن تعني كلمة ”خبز“ لنا أيضًا ولمن بعدنا.

عندما يعضنا الجوع ونبحث عن قطعة خبزٍ نملأ بها بطوننا ونشكر اللهَ عليها، يجب أن لا يغيب عن بالنا أبداً أهمية رمزية الخبز وارتباطه بالروح والجسد، وأن نشكر اللهَ على نِعمه ”كلها“ في أجسادنا وأرواحنا قولاً وفعلا، وأن لا نطغى فيما أنعم به علينا من الأرزاق، وإلا ألبسنا اللهُ لباسَ الجوعِ والخوف.

لا أستبعد أن المستقبل سوف يعيد للشريحة الأولى من كيس الخبز اعتبارها وقيمتها وتمتد لها الأيدي قبل غيرها، حينما تستيقظ الأجيال الحاضرة من غفلتها وسباتها وتدرك أنه لا يجب أن تفيض عن حاجة الإنسان قطعة خبز أو قطرة ماء أو أي ثروةٍ وضعها الله في الأرض، فهناك شخصٌ ما وفمٌ في الحاضر أو المستقبل سوف يحتاجها ويسأل عنها. وأن يعرف الناس أينما كانوا قدر كل النعم، صغيرها وكبيرها، جَليلها وحقيرها.

 يجهد كثير من الرجال والنساء في أرجاء العالم كل يوم ليجدوا طعامًا مناسبًا لهم ولأطفالهم في عالمٍ فيه ما يكفي لإنتاج ما يشبع سكان الأرض، ومع ذلك فإن واحدًا من تسعة من البشر ينام خاليَ البطن، وواحدًا من ثلاثة يعاني من سوء تغذية من نوعٍ ما، فهلا حافظنا على ما أعطانا الله؟

مستشار أعلى هندسة بترول