آخر تحديث: 29 / 9 / 2020م - 11:54 م  بتوقيت مكة المكرمة

عندما يرتقي الأوريو!

بسكويت ”Oreo“ أوريو قديم منذ عام 1912م، ترك في كلِّ نفسٍ أثرا وذكرى، زبدة بيضاء طرية بين اثنتين من دوائرِ الشوكولاتة السوداء لا تزال حتى يومنا الحاضر تطرب ذائقةَ الصغار والكبار. وهو أيضا رمز الشتيمةِ والمذمة للشخص الذي خالف القاعدةَ الجماعية فصار في لونين متعاكسين، أبيض ناصع في داخله وأسود داكن في مظهره.

حكاية هذا البسكويت في الثقافة الشعبية القديمة «اللغة العامية الأمريكية» تعبر عن شخصٍ أسود يتوقع منه المجتمع من حوله أن يتصرفَ بطريقةٍ هم حكموا بصحتها. حُكم على جميع أفعاله بالفشل والخيبة قبل أن يقوم بها، كيف يتكلم، نوع الموسيقى والأغنيات التي يسمعها، هواياته وطموحاته وأكثر! كل هذا لأنه لم يطابق ما كان في دواخل من وضعوه في قالبٍ محفورٍ له مسبقا. ولما لم يكن كما أرادوه إذاً فهو أسود في الخارج منهم، وأبيض في الداخل من غيرهم!

درس هذا الأسود وتعلم فأصبح ذكيا ناجحا في حياته وهو الآن يحظى باحترام أصحاب الأعمال والمال المتميزين، إلا أنه بقي مذنبًا ولم يكن حريا به أن ينجح وأن يتمرد على قيمٍ بشرية غير ثابتة ”افترض غيره“ أنها هكذا يجب أن تكون!

أظنها غيرةٌ سلبية وفينا منها الكثير! فهل نحن فعلا لا نَختزن النظرةَ المشكوك فيها عن الشخص الذي ينجح في مجتمعنا ونخلق ألفَ حاجزٍ سلبي لنجاحه؟ فتارة ننسب نجاحه لما ورثه من عائلته، وتارةً أخرى نفترض أن شخصًا ما أعانه على الوصول والارتقاء. وبالتالي كلنا ليس فينا من هو حري بالنجاح إلا أن يكونَ هو أنا!

قوالب لو كان لها قيمة لما أصبحَ طالوتُ ملكًا وكان غيره أحق منه: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى? يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ.

وعندما خرج النبي محمد ﷺ من قريش نبيا يدعو إلى اتباع مجموعةٍ من المعتقداتِ والسلوكيات كان جوابهم: أليس من الأفضل أن يكون أحد الأثرياء المعروفين، وله عشيرة مشهورة ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَذا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُل مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم؟ ولمَّا لم يفترض الدين والعقل قوالب غير منطقية كان الجواب من الله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْض دَرَجَت لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيَّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ.

يتحقق الفشلُ في المجتمع حينما يؤمن أفراده أنهم لابد أن يكونوا نسخا متشابهة لا تختلف إحداها عن الأخرى في الداخلِ والخارج، فقط ليظن الناسُ بها خيرا، وإن كان على حساب نجاحهم وطموحهم. فكل هذه أحاسيس لا تبعد أن تكون غبيةً وطائشة بأن يكون النجاح محدودًا في قالبٍ جامدٍ مستنسخ لا يتجدد مع الزمن! قوالب من أبسطها: كيف ينجح وهو ابن فلان؟ كيف تستطيع وهي امرأة؟ وهكذا نكون جميعاً سقطنا في دوامة ”الأوريو“...

مستشار أعلى هندسة بترول