آخر تحديث: 30 / 9 / 2020م - 9:29 م  بتوقيت مكة المكرمة

كازينو الوقت

في إحدى ليالي الأزمة الحاضرة لم تعجبني حياتي فرأيت أني غادرتها. ويا لغرابة الحظ أعطيت الفرصةَ لأعود من جديد وأرتب فصولها وأحداثها للأفضلِ والانفع. شرطٌ لم تكن فيه كثيرٌ من التعليمات وكأنه أوامر طفلٍ صغير!

كان هذا حلمًا مزعجًا تحسست أطرافي فور ما استيقظت منه فوجدتها كاملة، وقلت الآنَ جاءت فرصةٌ جديدة لكي أغيرها بالفعل. أخذت ورقةً وقلما وكتبت ما أسفتُ عليه كثيرًا إذ لم أفعله، وما أسفت عليه لأني فعلته. نظرة سريعة، تيقنت أن حسابات الربح والخسارة في حياتي السابقة بمثابة كارثة.

ثم تبين لي أن هذا الحلم هو الروتين الواقع الذي أعاني منه وملايين من البشر صباح كل يوم جديد ليس إلا! أخفي في دواخلي أمنيات التغيير ولا أجد العزمَ والهمة لتحويل الامنيات إلى واقع، مع أنني أسمع كلَّ يوم عن شخصٍ أو أكثر ممن انتهت حياتهم، فماذا لو كان هذا الشخص هو أنا ولم تكن المرة القادمة حلم منام؟

في كلِّ لحظة تدق أجراسُ الحاجة للتغيير يدعونا الاطمئنان للوقت إلى النوم والهجوع. ومن ثم لن يكون نصيبنا من الوقت أفرادا ومجتمعات إلا النوم والهجوع.

أنا في الواقع وغيري كثر مقامر ”روليت“ بالوقت دون إحساس. أراهن أن كرةَ الوقت الصغيرة التي تدور في صحن الأقدار سوف تستقر في خانتي في كازينو الرهان على الوقت في كل مرة وأفوز مع أن احتمال خَسارتي أكبر من احتمال ربحي.

حقا: ما الفرق بين كازينو القمار بالمال وبين كازينو القمار بالوقت الذي حتمًا لا يعود؟ هل إضاعة ”كل الوقت“ في التخلف والتفاهة الفردية والجماعية من النوع الحلال؟ ألم نكن في طلائع الأمم حينما عرفنا قيمة الوقت وما نصنع فيه؟ أمَّا الآن فنحن تقريبا في مؤخرة الركب نشتري ونستهلك ما ينتجه غيرنا في الوقت!

”الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك“، مثل تعلمته وكتبته كلما اغتظتُ من التقصير. لكن الشعوب والمجتمعات التي يلهيها هوى المقامرة على الوقت غير قادرةٍ أن تقطع الوقت وتظن أن قيامتها من الموتِ والعدم والعودة للحياة تشبه الاستيقاظَ من النوم. وهذا خيالٌ جامح لا يحصل إلا في الأحلام، وفي صالات المقامرة بالوقت!

مستشار أعلى هندسة بترول