آخر تحديث: 10 / 7 / 2020م - 2:07 ص  بتوقيت مكة المكرمة

خاطرة لغوية: العربية تسأل لماذا ”كوتش حياة“؟

الدكتور أحمد فتح الله *

في الإعلانات لبعض فعاليات المجموعات الثقافية مؤخرًا تجد كلمة ”كوتش حياة“، توصيفًا أو تلقيبًا للشخصيات المشاركة.

أنا أفهم ”المدرب“، في“رطانة”الموارد البشرية، ليس بالضروري أن يكون ”كوتش“ ولكن ”كوتش“ لابد أن يكون مدربًا. «رطانة تعني لغة المهنة، مع معانٍ أخرى»

لكن بسبب أن ”كوتش“ كلمة أجنبية عن العربية، فهي تثير الاستغراب والسؤال: لما لا نبتعد عن ”فَرْنَجَة“ لساننا العربي؟

هل عقمت العربية عن الإنجاب أو هرمت فلا تستطيع الرعاية؟ أم أبناءها كبروا و”تثقفوا“ فوجدوها ما عادت تعطي كما كانت، و”زوجة الأب الأجنبية“ أغنى وأكرم؟ كم هذا مؤلم؟

”كوتش“ في الأصل كلمة هنجارية «اللغة المجرية» بمعنى «carriage» الإنجليزية أي ”عربة أو“ ناقلة ”، في اللغة العربية. وفي عام 1830م استخدمتها جامعة اكسفورد البريطانية «الإنجليزية» كمفردة متداولة قبل اعتمادها في معجمها، معجم أكسفورد «Oxford English Dictionary»، ويعرف اختصارًا ب «OED» لتعبر عن“ المدرس الخصوصي" الذي يقود كل طالب من نقطة ضعفه في أي من المواد إلى أن يصبح قادرًا على اجتياز الاختبار.

وتمدد معناها «Meaning» وشكلها «Form» لتصبح ال ”كوتشينج“ «Coaching» تطلق على ”العملية التدريبيه غير المباشرة“، حيث يبدأ «الكوتش» بالمتدربين وخبراتهم ومدى ثقافتهم ومن ثم يبدأ بإضافة مهارة أو خبرة لدى كل واحد منهم، حسب مستواه، فيتابعه إلى أن يرتقي في أدائه ليصل إلى هدفه أو وجهته. في المقابل، ”التدريب“، باختصار وبعيدًا عن التفاصيل، هو ”عملية تدريبية مباشرة“.

التشابه والتداخل بين العمليتين موجود بشكل كبير لكن اللغة العربية لديها السعة والقدرة في أن يقال لمن يقوم بعملية التدريب المباشر «Training» ”مدرب“ «Trainer». وممكن أن نطلق على المدربين حسب خبرتهم ومهارتهم: ”مدرب أول“، و”مدرب ثاني“ أو غير ذلك من تصنيفات الرتب والدرجات.

ولمن يقوم بعملية التدريب غير المباشر «Coaching»، أي ”التوجيه“، أن نطلق عليه ”موجه“ «Coach»، لما فيهما من دقة المعنى وسمو الإيحاء في تحديد ومعرفة الجهة والوجهة، فنكون قد حافظنا على ”المرتبة الأرفع“ لما يقوم به الموجه فوق ”التدريب“، واحتفظنا بجمال لغتنا العربية وقدرتها على الإنجاب والرعاية ومواكبة التطور. وهذا أقل الواجبات نحو ”عربيتنا“.

ولكن هذا لا يعني أن اللغة العربية، أو أيّ لغة أخرى، قادرة على استيعاب كل مفهوم ثقافي أجنبي، فتسمية المفاهيم وتوليد المفردات لها آلياتها في كل لغة، ومنها، ما يسمَّى“الاقتراض اللغوي ”«Linguistic Borrowing»، وهو يشمل“ النقل ”أو“ الإدخال ”، متمثلًا في“ التعريب ”في اللغة العربية، و“ الأنجلزة" «Englishization»، وما يقابلهما في اللغات الأخرى.

وختامًا، هذه الخاطرة لا تعني مفردة «كوتش» بذاتها أو من استخدمها، بل هي أنموذج لظاهرة منتشرة وددت لفت أنظار الناشطين في المجالات الثقافية والمعرفية لها وكذلك المعلنين عنها.

وما نحن بصدده يختلف تمامًا عن عملية التعريب، أو الحاجة إليها. وهناك أبعاد له تستحق الذكر في خاطرة أو مقالة أخرى.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 2
1
عبداللطيف العبداللطيف
[ الدمام ]: 16 / 6 / 2020م - 3:49 م
يا دكتورنا الغالي انا شخصيا أقدر هذه الخاطرة تقديرا رفيعا واتمنى ان تكون باكورة عمل متكامل بإذن الله كمساهمة في حماية اللغة العربية من هذا الفيض الهائل من الالفاظ الدخيلة والاهمال المتعمد من الجهات الرسمية في عموم العالم العربي والتساهل وقلة الاكتراث من الناس عامة. وكما يقول أهل اللغة (وأنت واحد منهم في الاختصاص) اللغة وعاء الافكار والافكار بدورها مرجل الحضارات. وعندما نتكلم باللغة الانجليزية او يخالط لغتنا الفاظ انجليزية فإننا كذلك نفكر بالإنجليزية وبذلك تصبح ثقافتنا ملوثة بالافكار الانجليزية ونصبح بالضرورة تابعين للحضارة الغربية.
شكرا مرة اخرى وادعو الله لك بالتوفيق والنجاح.
2
أحمد فتح الله
18 / 6 / 2020م - 3:48 م
أستاذ عبد اللطيف

ما طرحتموه لطيف من لطيف؛
القضية معقدة، والخاطرة، ليست كالمقال، مكثفة جدًا والقارئ عليه تفكيكها.
وتلاحظ في العبارة الختامية:
((وما نحن بصدده يختلف تمامًا عن عملية التعريب، أو الحاجة إليها. وهناك أبعاد له تستحق الذكر في خاطرة أو مقالة أخرى.))
فهذا يعني أن هناك تفاصيل في القضية تحتاج تبيان، فبالإضافة إلى ما تفضلتم بذكره، هناك عوامل أخرى، نفسية واجتماعية، وغير ذلك، ناهيك عن البعد اللغوي الذي لامسته الخاطرة.
وإن شاء الله أتوفق في تفصيل هذا في مقال قادم. فأسألك الدعاء.
سعيد جدًا بهذا التواصل والتعليق وهو ما يثري الكاتب في ما يكتب مادةً واتجاهًا.
كُلَّي امتنان... رعاك الله.
تاروت - القطيف