آخر تحديث: 10 / 8 / 2020م - 3:33 ص  بتوقيت مكة المكرمة

بين الكمِّ والكيف من المهد إلى اللحد

ما إن بدأ حفيدي يخطو خطواته الأولى إلا واستهوته نزعة الملكية الشخصية. فكلما زارنا نراه يحمل سطلا أو سلةً من الالعاب البسيطة. كل قطعة في السلة لها اسم، ولا يسمح حفيدي ذو الثلاث سنوات أن يسلبه طفلٌ آخر ثروته او يشاركه أحدٌ في ما تحويه السلة من لعب.

هذا هو - الآن - مقياس الثروة والملك في نظر طفلي ”أحمد“، سلة ولعبة مما تيسر، وبعدها الدراجة والقميص المزركش والحذاء الفاخر، ويدرك أن من يسكن في البيت الكبير هو ابن عائلةٍ أغنى من عائلته. فهكذا كان مقياس ثروتنا وسَطوتنا أنا وأنت في مثل سنه، أشياء بسيطة ورخيصة تمامًا مثل احلامنا.

كبرنا وكبرت هذه الأشياء التي تاقت أنفسنا لامتلاكها فتارةً هي سيارة وتارةً أخرى متجر ثم رصيد في المصرف أو قصر مشيد، وكلنا لا نَشذ عن قاعدة المقياس المادي، إلا فيما ندر. ثم يتقدم العمر وكلما تقدم عدنا فيه بسطاء كما بدأنا في مقاييسنا، ويعود الحرص والطمع كبيرًا مثلنا!

بعد كل هذا الصراع نموت وتموت معنا كل الأشياء التي نملكها، ولا يبقى إلا ما ليس من مقياس المادة والتفاهة الرخيصة، وما لا يحويه السطل أو الصندوق والمتجر.

وفي حياة أحمد، منذ ولادته وحتى ساعة يواريه التراب، بعد عمرٍ طويل، سوف يكون بين سؤالين على الدوام: ماذا ملك؟ وماذا عمل؟ فربما ليس عليه أن يختار بين العيش في كوخٍ أو العيش في قصر، بل ماذا يعمل إن كان يعيش في كوخ أو في قصر؟

ما يواجه حفيدي هو ما يواجهني ويواجه كل إنسان: كيف نوازن بين الغاية والوسيلة وبين حاجة الروح والجسد الذي إذا اختل أو اعتل فلا مآل من السقوط، وكيف نجيد معادلة الكمِّ والكيف. حقيقة سبق أن قررها النبي محمد ﷺ في معادلة: ”يقول العبد: مالي مالي، وإنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو أعطى فاقتنى، ما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس“.

هذه المعادلة ليس فيها الرهبانية والتَّخَلِّي عن أشغال الدنيا وترك ملاذِّها والزُّهد فيها والعزلة عن أُهلها ”وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ“، بل فيها توازن واعتدال ناتجها حضارة فرد ومجتمع، يصنع ويزرع ويعمل ويخترع ويكد ويستمتع في حياته وفي ذات الوقت يصلي لله ويعبده.

وسوف يدرك أحمد بعد حين أن ليس كل مسرات الحياة مصدرها - فقط - اللعبة الصغيرة، أو السيارة او القصر بل المصدر والمنبع هو الروح التي عرفت وأدركت قيمة المسرة والبهجة في تلك الممتلكات. وأن المال والسلطة قد لا يكونان من أهم مفاتيح السعادة. وسوف يفهم أن مقياسَ الثروة الحقيقي هو القيم والمعارف ومقدار الانسانية التي تبقى بعد فناء وزوال كل مال وقيم مادية.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
أبو علي
[ صفوى ]: 21 / 6 / 2020م - 5:08 م
لافض فوك . جزاك الله خير على هذا الطرح القيّم .
مستشار أعلى هندسة بترول