آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 1:49 م

دور المثقف

محمد أحمد التاروتي *

تتوزع أدوار النخب الثقافية لتناول جائحة كورونا، باختلاف التوجهات الفكرية والاهتمامات الاجتماعية، فكل طائفة تحاول وضع إطار ثقافي للتزود من الوباء بطريقتها الخاصة، وقدرتها على وضع المعالجات المناسبة للخروج بمفاهيم عقلانية، نظرا للتفاوت الفهم في ادراك حجم الازمة أولا، وتعدد الأساليب المستخدمة في التعبير عن افكارها ثانيا، مما يجعل توزع الأدوار عملية طبيعية أحيانا، وضرورة لتكامل الرؤية أحيانا أخرى، وبالتالي فان محاولة التحرك ضمن نسق موحد، واطلاق وصفات معلبة، ليس واردا في المرحلة الراهنة على الأقل.

المخاض الذي تعيشه جائحة كورونا في الوقت الراهن، يفرض اليات وأساليب متعددة، وغير تقليدية في الوقت نفسه، خصوصا وان التفاعلات الاجتماعية مع مستجدات الفيروس القاتل، تستدعي اتخاذ مختلف الوسائل، والإمكانيات المتاحة، لدى النخب الثقافية، باعتبارها الطريقة المتاحة في المرحلة الراهنة، نظرا لغياب الرؤية الواضحة، في عملية المعالجات الثقافية، للازمة على الصعيد الاجتماعي، الامر الذي يدفع تلك النخب في صراع او مواجهة مباشرة مع الاثار الثقافية، الناجمة عن سيطرة الجائحة على الوعي الاجتماعي في المرحلة الراهنة.

طبيعة تفاعل النخب الفكرية تكشف بعض الطرق المستخدمة، في وضع المعالجات المقترحة، فالعملية مرتبطة بطريقة الاستجابة بالدرجة الأولى، وبالتالي فان غياب الدافع الذاتي يحول دون التفكير في ممارسة الدور المطلوب، بمعنى اخر، فان البيئة الاجتماعية تمثل البيئة الخصبة لتحرك النخب الفكرية، فاذا كانت تسعى لحجز مكانا مناسبا في الوسط الاجتماعي، فانها تحرص على التفاعل السريع مع القضايا المصيرية، التي تشكل محطات تاريخية ومفصلية في طبيعة التوجهات المستقبلية، الامر الذي يفسر الاختلاف الكبير بين النخب الفكرية في تناول الازمات الكبرى، التي تعصف بالمجتمعات البشرية، فهناك من يتحرك طواعية للمساهمة الجادة، لوضع البيئة الاجتماعية على الجادة الصائبة، وهناك من يتحرك وفقا للظروف القاهرة بدون محفزات ذاتية، مما ينعكس على قدرتها في خلق الظروف المؤاتية، في صناعة المعالجات التاريخية والهامة.

عملية توزيع الأدوار في طبيعة المعالجات، تشكل حالة صحية وغير مذمومة على الاطلاق، خصوصا وان اليات التفكير البشري تختلف باختلاف البيئة الاجتماعية، والظروف الاقتصادية، والأوضاع الاقتصادية، والضغوط النفسية، وأحيانا الضغوط الاجتماعية، وبالتالي فان النضوج مرتبط بسلسلة عوامل مترابطة، مما يساعد في وضع إطار جامع للوصول الى المعالجات الاجتماعية، بيد ان عملية التكامل مرهونة بالوعي الاجتماعي، والقدرة على تجاوز الاثار الاقتصادية والاجتماعية، الناجمة عن جائحة كورونا، فهناك الكثير من المعالجات الثقافية غير قابلة للتطبيق في المرحلة الراهنة، نظرا لوجود عراقيل اجتماعية، وكذلك نتيجة الافتقار للوعي اللازم، لاستيعاب تلك المعالجات، مما يستدعي تأخيرها او تجاوزها، والبحث عن حلول انية اكثر قربا، من التفكير الاجتماعي السائد.

النخب الفكرية قادرة على لعب دورا كبيرا في المرحلة الحالية، للانتقال من مرحلة التبعات السلبية لجائحة كورونا، الى مرحلة الاستفادة منها بطريقة مختلفة، لاسيما وان الازمات لا تنطوي الجانب السلبي فقط، وانما تحمل في طياته العديد من الجوانب الإيجابية، على الصعيد الاجتماعي، وبالتالي فان النخب الفكرية بإمكانها معالجة ملف كورونا، بشكل ينسجم مع التفكير الإيجابي، بهدف تهيئة الوسط الاجتماعي للتفكير خارج الصندوق، وعدم الركون للجانب المأساوي من أزمة كورونا، فهناك جوانب أخرى ستكون حاضرة في المرحلة القادمة، مما يستدعي تسليط الضوء عليها، للخروج بسيناريوهات مختلفة للمعالجات الثقافية.

المعالجات الثقافية المتداولة في المرحلة الراهنة، تشكل مدخلا أساسيا للغوص في بحر جائحة كورونا، خلال الفترة القادمة، فالمعالجات الحالية بمثابة مشاهدات سريعة، وقراءات مستعجلة للمشهد العام، فهي تمثل قاعدة للانطلاق برؤية مختلفة واكثر عمقا، في البحث عن الحلول العملية على المستوى الثقافي، وبالتالي فان محاولة الاستفادة من المعالجات السريعة للاثار الاجتماعية لوباء كورونا، يعطي مساحات واسعة للتفكير بحرية بعيدا عن الضغوط الكبيرة، التي تفرضها الجائحة على النخب الفكرية منذ اللحظات الأولى، لبروزها في المجتمعات البشرية.

كاتب صحفي