آخر تحديث: 21 / 9 / 2020م - 6:48 م  بتوقيت مكة المكرمة

كيف سيرى جيل اليوم أجداده؟

ما إن بلغ حفيدي الثالثة من العمر إلا ومثل ملايين في عمره، أو أقل، فهو يزورنا وفي يده جهاز متصل بالشبكة العنكبوتية ينقر فيه أغلب الوقت الذي يكون بصحبتنا. وللأمانة تأخر حفيدي ”أحمد“ أكثر من بقية الأحفاد الآخرين في الحصول على هذه الآلة الساحرة، وهذا لم يمنعه من سرعة التعلق بها حتى أصبحت الصديقَ المسلي والأفضل بين اليقظة والنوم.

هي قفزةٌ في التقنية الآن حفرت بيني وبين حفيدي خندقًا بين اليوم والأمس لا يستطيع كلانا أن يعبره من ضفةٍ لأخرى. فلا أحاديث السنوات الماضية وقصص الطفولة الفارغة التي لم تحظ بهذا الترف يعير لها حفيدي اهتمامًا. ولا أنا مستعد أن أنضم لجوقة الترفيه والتسلية والخفة التي يرتاح لها شباب وشابات اليوم.

هذه الفجوة ستجسر في المستقبل عندما يشيخ كثيرٌ من أجداد وجدات فسوف يتمكن أحفادهم وحفيداتهم من تتبع آثارهم بعد رحيلهم ورؤيتهم في الصور والكتابات والمقاطع المصورة بخلاف الأجيال السابقة التي لم تحظ برؤية اسلافها ونادرا ما سمعت أصواتها أو عرفت أشكالها.

تقنيات اليوم مع مساوئها إلا أنها تستطيع أن تسجل إرثا من الذاكرة جيلاً بعد جيل، ويبقى الخيار لكم أن تملؤها بالذكريات باكرا وبعد أن تشيبوا فعندها سوف يذكرونكم لا ريب. ويبقى السؤال: كيف سوف يذكرونكم؟ في مقاطع سمجة وغير مستحسنة وكلمات بذيئة؟ أم يرفعون رؤوسهم عاليًا ويقولون هذا جدي وهذه جدتي؟

في كل الأحوال كلنا نبقى أحاديث لمن روى بعد غيابنا وبمن فيهم أحفادنا وكما قال ابن دريد في نصيحته الثمينة:

وإنما المرء حديثٌ بعده
فكن حديثًا حسنًا لمن وعى

فثمة لا مبالاة اليوم من كثيرٍ من الناس بالإرث والذكرى التي يتركونها من بعدهم من خلال هذه التقنيات، غير مدركين أنها جزء من إرثهم وذكراهم وربما زادت قيمته وغلت عن الإرث المادي. بينما كان الأفضل أن يتركوا إرثًا من حكمتهم وتجاربهم وثمرةَ حياتهم.

على كل حال، هاهو العلم قد وضع في أيدي كل واحد منكم آلةً ثمينة لم تُخلق من قبل لأجدادكم وجداتكم، فلم لا تكتبون فيها خواطركم وتدونون فيها تجارب حياتكم، وتجعلونها إرثًا ثمينًا لأبنائكم واحفادكم؟

مستشار أعلى هندسة بترول