آخر تحديث: 28 / 9 / 2020م - 9:53 م  بتوقيت مكة المكرمة

”التحذلق اللغوي“ قد يكون مرضًا نفسيًّا

الدكتور أحمد فتح الله *

”التحذلق“ و”الحذلقة“ يعنيان نوعًا من السلوك اللغويّ، وهما من الفعل العربي ”حذلق“، بمعنى ”ادّعى أَكثر مِمَّا عِنْده من الحذق وتظاهر بالظرف والكياسة“ ”لسان العرب، المعجم الوسيط، معجم اللغة العربية المعاصرة، الرائد“. ويضيف ”معجم الغني“ حَذْلَقَ الرَّجُل: أظهر حِذْقًا أكثر مِن اللاَّزِم؛ وتَحذلق: أظْهر تَحذْلُقًا في حَديثه: أي أظهر تَكَلُّفًا وَتَصَنُّعًا في إِظهار المهارة والحِذْق. ويتَحَذْلَق العَالِم إذا تَكَلَّف التَّصَنُّع؛ ادّعى العِلْم وَالمهارة والحِذْقَ. والمتَحَذْلِق: فِي كَلامِه مُتصَنِّع، مُتَكَلِّفٌ الْحِذْقَ والقُدْرَةَ.

ومن مظاهر ”الحذلقة اللغوية“ استعمال الألفاظ في معانٍ غير مألوفة؛ أشبه ب لعبة لغوية فارغة لا طائل منها. يهدف ”المتحذلق“ أن يزداد على قدره بادعاء أَكثر مما عنده واقعًا. وقد تصل ”الحذلقة“ إلى هوس مرضي، بتتبع أخطاء الآخرين في الكلام أو الكتابة، حيث يشعر البعض برغبة دائمة في تصحيح جميع الأخطاء النحوية والإملائية ويبدو عليهم القلق من رؤيتهم لتلك الأخطاء النحوية، وهذا يشير، حسب الدراسات الأخيرة، إلى اضطراب مرتبط بالاضطراب الوسواسي القهري، سُمِّيّ ”متلازمة التحذلق اللغوي“. ”Grammar Pedantry Syndrome“

”المتلازمة“ هي عبارة عن مجموعة من العلامات والأعراض الطبية المرتبطة مع بعضها والمتعلقة غالبًا بمرض أو اضطراب معين، والكلمة مشتقة من اليونانية ”سيندرومون“، وتعني ”تزامن“. في بعض الحالات، ترتبط المتلازمة ارتباطًا وثيقًا بالأمراض حتى أصبحت الكلمات ”متلازمة“ و”مرض“ و”اضطراب“ تُستخدم بالتبادل، وخصوصًا المتلازمات الموروثة.

أمَّا ”الوسواس القهري“ فهو اضطراب نفسي يشعر فيه المصاب أنّ فكرة معيّنة تلازمه دائمًا وتحتلّ جزءً من الوعيّ والشعور لديه وذلك بشكلٍ قهري، أي أنّه لا يستطيع التخلّص أو الانفكاك منها، مثل الحاجة إلى تفقّد الأشياء بشكل مستمر، أو ممارسة عادات وطقوس بشكل متكرّر، أو أن تسيطر فكرة ما على الذهن بشكل لا يمكن التفكير بغيرها. كما يعرّف الوسواس القهري بأنّه فكر متسلّط وسلوك جبري يظهر بتكرار لدى الفرد ويلازمه ويستحوذ عليه ولا يستطيع مقاومته، رغم وعيه بغرابته وعدم فائدته، ويشعر بالقلق والتوتر إذا قاوم ما توسوس به نفسه، ويشعر بإلحاح داخلي للقيام به.

وأصل التسمية هو ”اضطراب الهوس اللاإرادي“ ”Obsessive Compulsive Disorder“، اختصارًا ”OCD“، ويسمى كذلك ”اضطراب الاعتراض الدفاعي“ Oppositional Defiant Disorder ””، اختصارًا“ ODD ”، وقد اتفق علماء النفس وعلماء اللغة النفسي على تسمية الاضطراب النفسي المتعلق بكثرة تصحيح الآخرين لغويًّا باسم“ متلازمة التحذلق اللغوي ”“ Grammatical Pedantry Syndrome“، حيث يشعر المصاب بها برغبة دائمة في تصحيح جميع الأخطاء النحوية والإملائية للآخرين، والمصابون بهذا النوع من الاضطرابات القهرية، يجدون صعوبة في بناء علاقات اجتماعية جيدة مع الآخرين بسبب حرصهم الشديد على مراجعة أخطاء الاخرين باستمرار مبالغ فيه.

إذًا ”متلازمة التحذلق اللغوي“، هي مرض نفسي، لكن يبدو أن لها ارتباط جسدي ”أحيائي: biological“ أيضًا. يشير الدكتور دينيس بارون ”Dennis Baron“، وهو عالِم لغوي أمريكي متخصص في قواعد اللغة الانجليزية، إلى أن هناك ”موروثة“، أي جين، ”Gene“ باسم ”موروثة قواعد اللغة“ ”Language Grammar Gene“ يتسبب في ظهور بعض المشاكل اللغوية لدى حامله وهو المسؤول عن جعل بعض الأشخاص يكثرون من تصحيح التركيبات اللغوية لدى الآخرين.

ويضيف الدكتور بارون أن اكتشاف العلماء لهذه ”الموروثة“ ”gene“، بالإضافة إلى المزيد من الأدلة العلمية من خلال الأشعة المقطعية للمخ ”Computed Tomography Imaging“، إختصارًا ”CT Scan“، سيؤدي إلى اكتشاف علاجات مناسبة لـ ”متلازمة التحذلق اللغوي“ في المستقبل، وسيكون فيه إنقاذ لمن يعانون من هذا الاضطراب، وإنقاذ كذلك للناس المحيطين بهؤلاء ”المتحذلقين“ لغويًّا من كثرة ”تحذلقاتهم“ المزعجة.

وقد أظهر التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي للغة علامات لنشاط دماغي شائع في مرضى OCD وODD، بالإضافة إلى بعض المفاجآت. على سبيل المثال، ”منطقة فيرنيك“ Wernicke`s Area ””، و“ منطقة بروكا ”“ Broca's Area ”، وهما أهم جزئين في المخ مرتبطان باللغة“ ويقال أن اللغة بين هذين المنطقتين“، أصغر من المعتاد أو تعرضان نشاطًا منخفضًا في قواعد اللغة، أثناء التجربة على دراسة الأدمغة أثناء عرض رسائل نصيَّة تتخللها جملة من الأخطاء اللغوية لتبين نشاط الأدمغة المصابة.

وبحسب الدراسة التي أجراها باحثون من جامعة ميشيغان الأمريكية، أن البعض يقع في الأخطاء الكتابية بسبب الكتابة على ”لوحة الأحرف“ ”keyboard“ أو عدم العلم بقواعد اللغة أو ببعض الكلمات، لكن هذا ليس مبررًا على الإطلاق لمن يصححون الأخطاء دائمًا. وأجريت الدراسة على ثمانين ”80“ شخصًا من خلفيات متنوعة، لمحاولة الكشف عن الأشياء المشتركة بين الأشخاص الذين يميلون إلى تصحيح الأخطاء اللغوية دائمًا. وتوصل القائمون على الدراسة إلى أن الذين يميلون إلى هذا السلوك، وينزعجون من رؤية الأخطاء اللغوية أمامهم، يغلب عليهم الانطواء. وكان القائمون على الدراسة قد أرسلوا رسالة على بريد العديد من الناس، حيث كانت مليئة بالأخطاء، وعقب تسلّم الردود المتعلقة بالأخطاء، قام الباحثون بإرسال عدد من الأسئلة لاستكشاف شخصيات هؤلاء، فاكتشف العلماء أنَّ شخصية هؤلاء الأشخاص ”انطوائية“ أكثر من غيرهم.

وفي نفس السياق، قال دنيس براون ”Dennis Brown“، أستاذ اللغة الإنجليزية واللغويات في جامعة إلينوي، في مدينة شيكاغوا الأمريكية، إن عادة تصحيح الأخطاء اللغوية بشكل مبالغ فيه يعد اضطرابًا نفسيًّا وليس عادة مزعجة فحسب، كما يتصور البعض. وأضاف الدكتور بروان، إن الاضطراب النفسي هو أحد أنواع الوسواس القهري، بل هو متلازمة تعرف ب ”متلازمة التحذلق النحوي“. ”Grammatical Pedantry Syndorme“ وأكد أدريان فورنهام ”Adrian Furnham“، أستاذ علم النفس بكلية لندن الجامعية، في مقالة على موقع ”علم النفس اليوم“ Psychology Today""، أن الأشخاص المصابون بمتلازمة التحذلق النحوي، بطيئون ويحبّون دائمًا أن يروا آراءهم صحيحة في كل الأمور، بالإضافة إلى انخفاض ذكائهم العاطفي وانعدام الابداع عندهم.

إذًا ”التحذلق اللغوي“، ليس مجرد ”إزعاج“ أو ”عادة سيئة“، بل هو اضطراب وسواسي قهري، بمتلازمة تُوَلِّد داخل الشخص رغبة ملحة في تصحيح ما حوله ويتجاهل جميع ما كُتب من أفكار ومواضيع ويدقق في إملاء وصيغ الكاتب. وقد تم تصنيف ردود أفعال الناس حول نتائج الدراسة إلى قسمين:

- هناك مَنْ يؤيد تلك الدراسة ويؤيد تصنيفها ضمن فئة اضطراب الوسواس القهري.

- وهناك مَنْ يعارض ذلك وبشدة، خصوصًا بعد ملاحظتهم لضعف اللغة تحت تأثير التقنية الحديثة ووسائل التواصل الشبكي فأصبح مِنْ الواجب أن يتم تصحيح وتقويم ذلك ”الضعف غير المرغوب فيه“!!

إلى أيّ التصنيفين يميل القارئ/القارئة العزيز/ة؟

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
ر ع
[ القطيف / القديح ]: 3 / 7 / 2020م - 4:43 م
مع الرأي الثاني
والتصحيح الآلي للأخطاء زاد من المشكلة فأحيانا يكون مفيد ولكن غالباً هو مشكلة

أخي العزيز
أنا ماتهمني دراساتهم
أنت كل ماتشوف خطأ صححه لنا

نستمتع بمقالاتك
تاروت - القطيف