آخر تحديث: 30 / 9 / 2020م - 11:45 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الإمام الرضا (ع) والتحدّيات الثقافية

حسين آل درويش

شهد عصر الإمام الرضا انفتاحًا كبيرًا وملحوظًا على الثقافات الأجنبية وخاصة اليونانية.. رافقتها حركة فكرية واسعة..بلغت الغاية في نشاطها وانتشارها.. وكان الخليفة العباسي المأمون أول من ترجم علوم الحكمة وقرّب أهلها.. فظهرت على أثر ذلك تيارات أجنبية واتجاهات مختلفة..بعيدة كل البعد عن الإسلام..وخاصة عندما بدأت الترجمة تدخل العالم الإسلامي بقوة.. وبدأ المسلمون يقرؤون فلسفة اليونان والطب والكيمياء وعلوم الأديان المختلفة.. فأصبح العالم الإسلامي يواجه الكثير من التحديات الثقافية إلى جانب ذلك المشاكل السياسية الداخلية في الواقع الإسلامي..بالإضافة إلى ذلك أيضًا حركة الفتوحات خارج الواقع الإسلامي.. فكان لكل إمام من أهل البيت أسلوبه الخاص في التعامل مع التيارات الأجنبية والاتجاهات المختلفة في عصره..وهذا ما تمثّل في عصر الإمام الرضا فقد كان بعد وفاة أبيه الإمام موسى الكاظم يدير حركة العلم والفكر... وكان الناس من علماء وغير العلماء يذهبون إليه ليسألوه وليستمعوا إلى دروسه ومواعظه.. وليستنطقوه بأسئلتهم في كل ما يدور به الجدل والنقاش ويتحرك الصراع فيه.. ”وكانت صور الصراع الفكري.. تتمثّل في الخطابات المتبادلة ومجالس المناظرات وعن طريق الاستعانة بالشعراء في الدفاع عن آراء كل فريق وهجاء الفريق الآخر، فقد كان لكل فريق شعراءه، وعمومًا كان الشعر من أمضى الأسلحة“ [1] .

في هذا العصر - أعني عصر الإمام الرضا - انتشر التشيع بشكل واسع.. وبرزت معالمه وانتشر فقه الشيعة وعلومهم وناظر متكلموهم - مخالفيهم وخصومهم - في مسائل التوحيد والعدل وعصمة الأنبياء وما إلى ذلك من مسائل عقيدية ودينية.. كل ذلك بفضل الأئمة الأطهار وخاصة الإمام علي بن موسى الرضا .. ”فإن الفضاء السياسي المفتوح نسبيًا للإمام الرضا ، أعطاه فرصة واسعة، وخاصة مع محاولات المأمون للتظاهر بالإخلاص للإمام الرضا وأهل البيت ، كما فسح ذلك المجال لكي تصل آراء أهل البيت وأفكارهم للنخب والشرائح المتقدمة في أجهزة الحكم، وأجواء السلطة والقدرة“ [2] .. روى السيد ابن طاووس: ”أنه كان جماعة من خاصة أبي الحسن موسى من أهل بيته وشيعته يحضرون مجلسه. ومعهم في أكمامهم ألواح آبنوس وأميال، فإذا نطق بكلمة وأفتى في نازلة أثبت القوم ما سمعوا منه في ذلك“ [3] .

كان الإمام علي بن موسى الرضا ينشر آراء مدرسة أهل البيت العقائدية منها والفقهية.. وكان في فترة ولاية العهد يعقد المؤتمرات والندوات في تعبيرنا المعاصر.. يروى أن الخليفة المأمون جمع علماء الملل والنحل وأصحاب الديانات الأخرى.. فكان الإمام الرضا يفنّد ويدحض حججهم ويصحّح مفاهيمهم الخاطئة.. وينشر الوعي الإيماني حتى أسلم على يديه بعضهم ومن كبار علمائهم.. ”وكانت شهرته قد طبقت الآفاق، وغدا شخصه العظيم حديث الساعة حينئذٍ، ومحط اهتمام العلماء لغزارة علمه ومتانة استدلاله، وقد حفظ لنا التاريخ روائع رضوية كثير ة في هذا المجال.. هذا وفي الوقت الذي فيه المأمون العباسي يقوم بترجمة ونشر الفلسفة اليونانية، كان الإمام الرضا يقوم بنشر الثقافة القرآنية الخاصة، فقد كان جوابه كله وتمثله انتزاعات من القرآن المجيد“ [4] . وعمومًا.. كان عصر الإمام الرضا عصر الجدل والنظر والنقاش والحوار وعرض الأفكار.. وبتعبير معاصر «عصر التحدّيات الثقافية والفكرية أو ما يسمّى بالتعدّدية الثقافية».

وختامًا وفي نهاية المطاف.. لابد على العلماء والمفكرين والمثقفين أن يمتلكوا وعي الواقع كله.. وأن يتسلحوا بالثقافة التنويرية.. بحيث ينطلقوا مع تطلعات الجيل الجديد في كل ما يفكر فيه، وما يسأل عنه ويتحرك فيه..ومن أجل الخروج من الأزمات والتحدّيات التي تحيط بالعالم الإسلامي.. أن ينفتحوا على عصرهم كله.. اقتداءً بالأئمة الأطهار المعصومين الذين كانوا ينفتحون على قضايا العصر كله.

[1]  سميرة مختار الليثي. جهاد الشيعة: «ص 312».

[2]  الشيخ حسن الصفار. إضاءات من سيرة أهل البيت : «ص 92,93».

[3]  السيد ابن طاووس. منهج الدعوات: «ص 219».

[4]  الشيخ عباس القمي. الأنوار البهية: «ص 179».