آخر تحديث: 30 / 9 / 2020م - 11:45 ص  بتوقيت مكة المكرمة

أن تعيش حياتك

ياسين آل خليل

لا تجعل الموت هَمّك الأكبر. هَلعُك من أن يَطرق عزرائيل بابك ليقبض رُوحك، قد يكون مُبَرِّرًا في وقت تتساقط فيه الأرواح كأوراق الخريف، لكن ألم يتبادر لذهنك تفكير أو يعتريك شعور بأنك لم تعش حياتك بالمعنى الحقيقي، وأنك كنت مُجَرّد كائن حَيّ تتنفس وتأكل وتنام، وتلك هي أيامك قضيتها بين العمل والأمل. فهل هذا هو مفهوم العيش لديك، أو أنك تحسبه كذلك..!

كوفيد -19، أصاب الناس في مَقتل، فأصبح الموت حديث الساعة.. لكن يا ترى هل الموت هذه المرة، قد طرق ناقوس الخطر، فَصَحَا الناس من سُبَاتهم، لِيُغَيّروا سُلوكهم ويرجعوا إلى إنسانيتهم..؟ هل تمكنت كورونا من عمل ما لم يستطع فعله، مع احترامي وتقديري، خطباء المنبر وصانعي الوعي والإدراك الجَمْعي من تأثير في المفاهيم الحياتية والتربوية، أو أن هذه الجائحة، هي كغيرها من المِحَن التي لا يُرْتجى منها خيرًا البتة وكما يقول الشاعر:

لا تطلبَ الحب ممّن ليس يعرفه

أو تطلبَ الشوق قلبًا قُدّ من حَجَرِ

لا يُرتَجى الماء من بئرٍ مُعطلةٍ

أو يُجتنى ثمرٌ من عَاقرِ اَلشَّجَر

‏جميل جدا أن نُبصر الحياة على أنها جسر ينقلنا من حياتنا الدنيا إلى الحياة الحقيقية الأبدية التي صَوّرَها الخالق في أبهى صورها، وفي آيات ﴿عِلْمِهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى.. لكن هذا لا يعني بأي حال، أن ننسى أو نتناسى نصيبنا من الدنيا، وأن نعيشها كما لو إنه كُتِبَ لنا أن نُعَمّرَ فيها، وإن قَهَرَنا المَوتُ بجبروته، وسلب منا ما لا يُمكن استرداده.

‏أنا وأنت كما الآخرون، ندرك كم هو من السهولة بمكان الخضوع لضغوط الحياة اليومية، وما نتعرض له من صدمات على مُختلف المستويات. كما أننا نعي أيضا، صُعوبة خلق حياة تتواءم ومُتطلباتنا الخاصة. عيش الحياة بمقتضى تطلعاتنا الشخصية لا يعني بالطبع، فعل ما نريد وقتما نشاء، بقدر ما هو عُثورنا على معنى وهدف وقيمة لحياتنا، لا أن نعيشها كيفما تأتي..!

‏سعادتك مسؤوليتك أنت، لا علاقة لها بما يفعله الآخرون. أنت الذي تُخَطط وتبني وتضع الأهداف وترسم الاستراتيجيات، ومنها تلتزم بما حددته لنفسك، للوصول إلى مرئياتك، ومنها التحرك بثقة في اتجاه أحلامك. التشكيل النهائي لتلك الصورة مَرهُونٌ بإصرارك وتصميمك على تخطي كلّ العراقيل التي تواجهك في طريقك. احرص على تشييد الكثير من الجسور التي تُسَرّعُ وصولك إلى أهدافك المُحددة، لتقيم عليها قواعد ومرتكزات الحياة التي يطيب بها المقام وتزهر فيها منابت الخير سلامًا ومحبةً وأُنْسًا.

‏من هذه اللحظة عليك أن تتعلم كيف تُفَرّقُ بين ظروفك وما يعتمر في داخلك من تخمينات وتنبؤات. البيئة الخارجية، لا شك، لها مؤثراتها، لكن هذا لا يعني أن تلغي احترامك لذاتك واختياراتك أو حتى حياتك..! بإدراك قيمتك الداخلية وحُبّك لنفسك، أنت تؤسس تلك القاعدة الرصينة التي تسمح لك بأن تعيش حياتك في أسمى تجلياتها، مرتبطا بأهدافك، لا بأفراد، ولا بتصورات وأحلام الآخرين.