آخر تحديث: 28 / 9 / 2020م - 7:49 م  بتوقيت مكة المكرمة

البساطة في حياة الفلاحين

عباس سالم

إذا أردنا أن نُعَرِف أبناءنا من الجيل الجديد بأن البساتين والمزارع التي كانت منتشرة في بلادنا من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها كانت عامرة بأيدي الفلاحين البسطاء الذين بسطوا سواعدهم في حب الأرض وعشقها.

يستيقظ الفلاح باكراً فجر كل يوم عند ظهور نجمة الصبح معلنةً مداعبة سكون الليل لشوق التراب في المزارع والبساتين قبل إنبلاج الفجر وبزوغ الخيط الأبيض ليوم جديد، نوح الحمام على سعف ذرى النخل العالي وزقزقة العصافير فوق الأشجار تهادي للأذان صوت الأرض المغبوط بفرح العطاء من جراء صداقة أبدية بين الفلاح ومختلف طيور الطبيعة.

الصوت الجوهري الذي تصدره الحمامة وهي تتراقص على سعف النخل لا يفهمه سوى مجتمع الفلاحين، الذين تتمايل ظهورهم على الساقية لإزالة العشب العالق فوق الأرض وتسيير مجرى الماء لسقي المزروعات، فانطلقت أصواتها تتردد في البستان وهي تنوح ”يا فاته يا بيتي“ تشبه تسابيح تناجي الرب بإيقاع ساحر للألباب، وتهادى إلى مسمع الفلاح صوت نوح الحمام الذي يتربع على عرش التراث في مجتمع الفلاحين.

في زمن ليس ببعيد كنا نرى وجوه رجال من أبناء بلدتي نبتت منذ زمان تنسج خطواتها على تراب «جزيرة تاروت»، تلك الوجوه التي تقرأ أثر الزمن عليها الذي غير لونها إلى السمرة، وربما كانت تلك المسحة من السمرة التي وسمت وجوه الكثير من الناس في بلدتي زرعتها أشعة الشمس الحارقة في خلاياهم، لأنهم هم من عمل في زراعتها واعتنى بها لتسع كل الوجود بنخبوية وعفوية متفردة بعد أن رهنوا أنفسهم لمحبة وطنهم وبلدتهم «جزيرة تاروت» في بحرها وأرضها الطيبة ببساتينها ومزارعها الجميلة.

أيها الفلاح كم كنت جميلًا عندما نراك بثوبك البهي المحزوم بإزارك بين خصريك، وأنت ذاهب إلى البستان بإرادتك ومثابرتك على العيش الكريم دون منة من أحد، إنك كنت مصدر عيشنا تعتني بالنخلة وتزرع البذور وتقلب ثمار الزرع تحت التراب وتقطفها بعد حين لينعم الناس بطعمها اللذيذ، نشكر الله تعالى الذي وهبنا الطبيعة في بلادنا أماً للجميع، في زمن كان الجوع فيه يخفق في بطون الناس، وأحييتم البساتين والمزارع بقوة بأسكم وعزمكم الذي لم ينهار أمام حرارة الشمس الحارقة في الصيف الملتهب وبرودة الشتاء القارصة.

لولا زيارة الفلاح اليومية المحببة والمتكررة إلى البساتين والحقول لكانت الثمار هزيلة وذابلة، لكنها توسعت آفاقها وأخذت ما تستحق من شمس وهواء وماء وغداء جعلها تضاعف مردودها، صديقي الفلاح في زمن الطبيعة في بلادي اختلافك عن البشر بعملك في المزارع والبساتين امثولة للكفاح والمثابرة من أجل لقمة العيش الكريمة، وحفاظك على هندامك الجميل وأنت تسير فوق الأرض حاملًا عتاد عملك فوق ظهرك فجر كل يوم توجك أميراً منسياً بين الناس.

أيها الفلاح لقد برز نجمك وبقيت فلاحاً صامداً يناضل من أجل الأرض وحصاد ثمارها بعرق طاهر، إلى أن جاء سماسرة المال وتجار العقار وقتلوا صمودك وخربوا كل ما هو جميل في الطبيعة، هكذا نحن اليوم فقد أحضرة الجرافات لتقطيع النخيل والأشجار وتدمير البساتين والحقول وتحويلها إلى أراضي يتنافس عليها الناس بأسعار أغلى من الذهب، وبنوا عليها دبلكسات كراتين باعوها على المساكين وأدخلوهم في دوامة مصيدة القروض البنكية التي لا تنتهي.

وفي الختام أيها الفلاحين يا من عمرتم الأرض في البساتين والحقول والمزارع إلى أن رحلتم من هذه الحياة يرحمكم الله تعالى، وبقيت ذكراكم يتناقلها الأجيال، وأصبحتم أيها البسطاء بأن ما عانيتموه كان أمراً يندَ له جبين الحمامة النائحة على طرف خفي فوق ذرى النخل العالي، والذي ربما يتذكر أحفادنا أنكم كنتم رمزاً للصمود والعمل في البساتين والمزارع من أجل لقمة العيش الكريمة.