آخر تحديث: 26 / 11 / 2020م - 6:15 ص

تنبؤات درامية أم سينما متواطئة «37»

عبد العظيم شلي

جنح بنا الخيال بعيدا بعيدا، بفعل أسلوب الواصف ممن يجايلنا عمرا، فهو الأقرب لأبجديات فهمنا، ترمش عين ونفتح فاه وثغرنا باسم، سيد الكلام يرمينا بمصطلحات ومعارف، يتلبسنا السرد جناحي مسافر، نسرح خارج حدود المكان، ونستوعب ما يقال ونسهو عن بعض، والحواس تخزن التشبيهات المتلاحقة.

بين يوم وآخر يأخذنا بحكاية مستجدة، وحماسة متقدة، يتراءى لنا الوصف حصان مجنح، على صهوته نسابق الريح وجموح خيال يتشظى، انفعال يرمينا جسارة وعنوة بين صوت المدافع ودوي القنابل، كأننا في لجة معارك أرض فيتنام، تصورات لأسماء غير مألوفة عن حرب لا نعرف منها سوى كلمات متقاطعة، وإن أسرفنا سعة من خيال يبقى فهمنا محدودا، مع الإيمان بالفروق الفردية في درجة الاستيعاب بين بعضنا البعض.

صور ”لعكوس“ الحربية نقلبها تفحصا ونتلقفها تحديقا وتأملا، تائهون في كنهها بلذة سامع ومتعة تصور.

مر الوقت ومضات بهجة كشهب في ليل المحبين، وصدى الحكايات تلاحقنا سفرا في زحام الدنيا، عبرنا دروب مناكب الأرض، وهاجرنا بين محطات الحياة بضجيج وصخب.

نتلفت يمينا وشمالا نتفقد الأكف واقتسام زهد الطعام، لا الظل بقي ظلنا ولا عتبات الفرح تجمعنا بين ”السوابيط“ وجدران الطين، تجاعيد الزمن حفرت أخاديد الوجوه التي كانت يوما غضة، آه ثم آه لقد تغيرت ملامحنا وأغلقت تلك الأبواب، المشرعة ليل نهار، ضعف البصر واشتعل الرأس شيبا، نتحسس الصحب أين حط رحلهم؟، وإذا بقطار العمر ينزلنا عند محطة منتصف عام 2020 م.

كم هو صعب استرداد التحديق في مرايا الصبا وأنفاس الأيام الخوالي، مجحفة ظنون الذات والحنين شوق مهيمن على الوجدان، كيف كنا وكيف تراءى لنا ذاك الوصف من تصورات، حلم حملنا نحو الآفاق وما وراء البحار، والولوج إلى عوالمه ثانية باسترجاع كل ما سمعناه تفصيلا ليس بالأمر السهل نظرا لطول الزمن. ومن هنا فضلت الارتحال للمتحدث ذاته الذي أسمعنا عجائب الكلام وقت الأماسي وتباشير الصباح، بسؤال كيف استطاع استجماع منطق الفهم المبكر.

ولكي أتحقق من إعادة أحاديث تلك المشاهد الموغلة في القدم، طلبت من أخي محمد الصغير مجددا أن يعيد ما قاله على مسامعنا قبل 50 عاما، وبكل مودة لبى مسرورا بعد قهقه طويلة وجملة مقتضبة ”أحاول أن استحضر باللي أقدر عليه“، حاورته بشوق ليستجلي شرحه القديم وبدايات تفتح مداركنا على اخبار بعيدة عن حدودنا وبعيدة عن نطاق تفكيرنا.

جاوبني بما اختزنته ذاكرته كتابة مسترسلة عبر ارتداد الماضي معجونا بنضج الحاضر، فقد وجدت اختلافا في صيغة السرد وطريقة الوعي والفهم بين الشرحين، وقد يكون كل شيء إلى حد ما متماثلا، لكن حجم الادراك عما كان من المؤكد الآن أكثر عمقا، لأن العمر والنضج لهما الدور الابرز، ويبقى مضمون الوصف متقاربا مع ذاكرة الأمس، يقول الصغير:

"عن حرب فيتنام يحلو الكلام واسمح لي في البدء بشيء من التمهيد:

تعتبر الحرب ضد فيتنام هي الحرب الأطول والأشرس والأقسى بين حروب القرن العشرين حيث دامت لعقدين من الزمان، سقط خلالها مئات الآلاف من الأبرياء ودمرت بناها التحتية وكل مفاصل ومقومات الدولة العصرية فيها. فرنسا هي من أضرمت نيرانها في منتصف خمسينيات القرن الماضي بتدخلها العسكري الجائر في الشأن الداخلي لذلك البلد المسالم، المتطلع للاستقلال والحرية والسيادة والرافض للوصاية الأجنبية عليه. ولأنها واحدة من دول الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الثانية ومن دول الفيتو الخمس في مجلس الأمن، فقد خولت لنفسها التدخل بالشأن الداخلي للدول الأخرى باستخدامها القوة المفرطة، يحدوها في ذلك غرورها وصلفها والغطاء السياسي الممنوح لها من مجلس الأمن".

احسنت يا ابا حسن واستكمالا لما تفضلت به عن خلفية بدايات الصراع، ثمة تعديل بسيط ومساحة حرة من الاضافات.

كانت فيتنام مستعمرة فرنسية منذ منتصف القرن التاسع عشر، واثناء الحرب العالمية الثانية خرجت منها مؤقتا بعد الاحتلال الياباني لكل دول جنوب اسيا، وبعد هزيمة اليابان عادت فرنسا إلى فيتنام ثانية، ومن هنا بداية حرب فيتنام الضروس، وبعد مقاومة شرسة من الفيتناميين طردت فرنسا شر طردة بآعنف وآخر معركة التي قصمت ظهر المستعمر وهي معركة ”ديان بيان فو“ الشهيرة والتي تعد المرة الاولى التي يمنى فيها جيش اوروبي متمرس في المعارك والقتال ويتلقى هزيمة ماحقة، والتي مثلت نهاية الامبراطورية الفرنسية في الشرق الاقصى وقيل بأنها كانت مصدر الهام للمقاتلين المناوئيين للاستعمار، وبعد اسابيع من هذه المعركة الشهيرة اندلعت الثورة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي في نهاية الخمسينات وصولا للاستقلال 1962.

إن معركة ”ديان بيان فو“ التي منيت فيها القوات الفرنسية بهزيمة نكراء لايزال صدها يتردد في فرنسا الى اليوم، لقد خرجت باكية تجر اذيال الخيبة، والمفارقة الغريبة العجيبة، بأن نفسية الغرب متماثلة ”شيلني واشيلك“ كل دعم الآخر في الخفاء والعلن قبلا وبعدا، فقد حلت محلها امريكا وتتورط في المستنقع الفيتنامي دخلت بقوتها التي ظنت بأنها لاتقهر فعاثت في الأرض هلاكا بجنون العظمة، يحكمها عقل مأزوم بلغة الحرب ولاغير، وظنت بأنها قادرة اقلها انتصاف الكعكة كما فعلت في تقسيم شبه الجزيرة الكوريا الى شمال وجنوب، لكن كل الظنون خابت وذهب الطغيان ادراج الرياح، أمريكا لم تستوعب الدرس الفرنسي جيدا، ونالها مانال احفاد نابليون وكأن التأريخ يعيد نفسه، أن تبالغ في التوسع سوف يأتيك يوم تبكي فيه دهرا.

كل الأفلام التي روجت وانتجت عن حرب فيتنام اغلبها تمت مقايضة بالمال والفن والابهار، سعيا حثيثا لعودة الروح المنكسرة، وترقيع عن ذلك الغباء والصلف والغرور بايجاد مبررات عسكرية وبخلق انتصارات بهلوانية فضفاضة وإن كانت عبر دراما الخيال.