آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 1:49 م

القيم الأخلاقية

محمد أحمد التاروتي *

كشفت جائحة كورونا المنظومة الأخلاقية للمجتمعات البشرية، نتيجة تباين التعامل مع احتياجات الناس مع المتطلبات الأساسية لمواجهة الوباء، فهناك شريحة حاولت ركوب الموجة بطريقة ”استغلالية“ وانتهازية بشكل واضح، بينما حاولت بعض الفئات التخفيف من المعاناة عبر تقديم المعونة، والمساهمة في تحمل التبعات المترتبة على الإجراءات الاحترازية، لمواجهة الجائحة العالمية.

القيم الأخلاقية تمثل المحرك الأساس وراء الممارسات الخارجية للإنسان، فاذا كانت تنسجم مع المبادئ الفاضلة فانها تبرز عبر المواقف الإنسانية، ورفض استغلال الظرف الاستثنائي بطريقة غير أخلاقية، الامر الذي يتمثل في اطلاق العديد من المبادرات ذات العلاقة بتعظيم التكافل الاجتماعي، خصوصا وان الظروف القاهرة تخرج القيم الأخلاقية على حقيقتها، ”عند الامتحان يكرم المرء او يهان“، وبالتالي فان الازمات ميدان حقيقي لاظهار المعادن النفيسة لدى مختلف الشرائح الاجتماعي، لاسيما وان هناك فئات تتساقط بشكل سريع وغير متوقع، بمجرد الدخول في معترك المواجهة مع الازمات القاهرة.

التحرك الانتهازي للاستفادة من الازمات الكبرى، سلوكا موجودا في مختلف التجمعات البشرية، نظرا لتفاوت الايمان بالقيم الأخلاقية والمبادئ الإنسانية، مما يفسر مسارعة أصحاب ”السلوك الانتهازي“ لاظهار المواهب المدفونة، والدهاء الكبير في عملية تسخير الازمات بطريقة احترافية، من اجل الخروج بحصيلة وافرة من المكاسب، نظرا لمحدودية الظرف الزماني، مما يستدعي وضع خطط سريعة للوصول الى النتائج المرجوة، خصوصا وان التراخي يسهم في إضاعة الفرص المتاحة وغير المتكرر في الغالب.

التعاطي بالسلوك الأخلاقي مع ”الفكر الانتهازي“، بمثابة إضاعة للوقت ودوران حول الذات، نظرا لتفاوت المفاهيم الحاكمة في السلوك الخارجي، حيث ينظر أصحاب الفكر الانتهازي الى الاستغلال الأمثل، للازمات بطريقة مختلفة تماما، فهي لا تعدو عن كونها ”نوع من الذكاء“ وتحرك مشروع للاستفادة من الظرف الزماني، لتحقيق مكاسب متاحة للجميع، الامر الذي يستدعي التحرك الجاد لاستغلال الظرف بطريقة احترافية، بعيدا عن ”التنظير الأخلاقي“، فيما أصحاب القيم الأخلاقية يتحرك وفقا لمنظومة قناعات، تتمثل في اظهار الرفق والابتعاد عن الانتهازية بشتى صورها، نظرا لحساسية الفترة الزمانية، مما يستدعي التكاتف والتعاون للخروج من الازمات، وتقديم العون والمساعدة للفئات المتضررة وغير القادرة، على تحمل تبعات الازمات الكبرى، ولعل ابرزها جائحة كورونا.

الأشهر القليلة الماضية وضعت النقاط على الحروف، بخصوص الاليات المتبعة في طريقة التعاطي مع ازمة كورونا، حيث برزت مبادرات إيجابية ومواقف مشرقة، في العديد من المجالات الحياتية، نظرا لادراك الجميع بأهمية الوقوف صفا واحدا، في مواجهة ”الخطر المشترك“، وعدم ترك الاخرين في الساحة بمفردهم، في مواجهة الفيروس القاتل، بينما استطاعت جائحة كورونا تحريك أصحاب النفوس المريضة بطريقة غير أخلاقية، الامر الذي تمثل في الاستغلال الكبير لحاجة الناس لبعض الاحتياجات، ومحاولة ممارسة الاحتكار، والتلاعب بالأسعار، وأحيانا الغش بالجودة، الامر الذي يعطي دلالة واضحة على الانقسام الحاصل، لدى المجتمعات البشرية تجاه التفاعل مع الازمات الكبرى.

التمسك بالقيم الأخلاقية عملية مستمرة، وليست خاضعة لفترة زمنية محددة، لاسيما وان القيم الأخلاقية ليست مرهونة بحقبة زمنية محددة، فهي صالحة لجميع الازمان، وقادرة على تصحيح السلوك الخارجي للبشرية، خصوصا وان القيم الأخلاقية تنسجم المبادئ العقلية الحاكمة، لدى البشر على اختلاف عقائدهم، وبالتالي فان الدعوة الى التمسك الأخلاقية ليس ترفا او ممارسات ترفيهية، نظرا لارتباطها المباشر بالمسيرة الحياتية، لمختلف المجتمعات البشرية.

القيم الأخلاقية ستبقى حاكمة سواء في الازمات الكبرى او القضايا المؤقتة، من خلال وضع الجميع امام المسؤولية الكاملة، للتعاطي القيمي مع الظروف الاستثنائية، والابتعاد عن الممارسات الانتهازية، باعتبارها طريقا لشق الصف الاجتماعي، واظهار النوازع الشيطانية، على حساب اهات والام الاخرين، خصوصا وان الاستغلال يعكس الصورة الحقيقية لمجموعة القيم الحاكمة، لدى بعض الفئات الاجتماعية، مما يستدعي التحرك وفقا للمنظومة الأخلاقية، وعدم الانجرار وراء ”الرغبات“، في سبيل تحقيق بعض الغايات المؤقتة.

كاتب صحفي