آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 2:32 م

الغرور الذاتي

محمد أحمد التاروتي *

التضخم الزائد يقضي على صاحبه، نتيجة التباهي غير المتزن، وكذلك جراء اقصاء الاخرين، ومحاولة اظهار الإمكانيات ”الزائفة“، الامر الذي يمهد السبيل لخلق حالة من النفور الاجتماعي، فالمجتمع يرفض السلوكي ”الاناني“، باعتباره من الامراض الاجتماعية، التي تحدث حالة من الصراع الداخلي في البيئة الاجتماعية، خصوصا وان التضخم يكشف حالة من انعدام التوازن بين الداخل والخارج في السلوك الخارجي.

الغرور الذاتي مرتبط بالبيئة الاسرية أحيانا، فالبعض يرث نفوذا اجتماعيا، وثروة مالية ضخمة، مما يولد حالة من الترفع والتكبر عن الوسط الاجتماعي، بحيث يظهر على اشكال مختلفة، بعضها نابع من التربية الاسرية المرتبطة بالسلوك الداخلي، لتلك الاسر الثرية او ذات النفوذ الاجتماعي، بحيث تعمد لتكريس ”الانا“ واحتقار الاخرين، الامر الذي يدفع باتجاه السلوك المتعالي، في جميع التعاملات اليومية.

بالإضافة لذلك، فان الشعور بالاستغناء الذاتي عن الاخرين، يمهد لبروز هذه السلوكيات في الحياة الاجتماعية، فالبعض بمجرد امتلاكه ثروة طائلة، سواء كانت موروثة او نتيجة عمل لسنوات طويلة، فانه يحاول استخدام الثروة في اظهار التكبر، وعدم الاكتراث بالفئات الأخرى، بحيث يترجم على شكل مقاطعة جميع الفئات الاجتماعية، انطلاقا من قناعات ”لست بحاحة الى الناس“ ”من يمتلك قرشا يسوى قرشا“، وبالتالي فان وضع حواجز مادية ومعنوية مع الوسط الاجتماعي، عملية أساسية لحفظ المقامات، التي فرضتها الطبقية الاجتماعية، القائمة على التفاوت في الموارد المالية.

خطورة الغرور الذاتي تكمن في اظهار ”الصنمية“، وعبادة ”الذات“ في أحيانا كثيرة، ”وَنَادَى? فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَ?ذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ? أَفَلَا تُبْصِرُونَ“ و”قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون، لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين“، التضخم الذاتي ليصل لمرحلة خطيرة، بحيث يسعى لقطع حرية القرار لدى الاخرين ومنع اتخاذ الخيارات المناسبة، لاسيما وان المغرور يشعره بحاحة الناس اليه، مما يدفعه للاعتقاد بضرورة التحكم في القرارات المصيرية، والحياتية للاخرين، الامر الذي يقضي على الكثير من المبادرات الذاتية لدى الشرائح الاجتماعية، وبالتالي فان المغرور يمارس أدوارا تتجاوز الاطار المتعارف، ويتحرك وفقا لقناعات ذاتية، بحيث يرفض الوقوف امام الخطوط الحمراء، في طريقة التعاطي مع البيئة الاجتماعية.

البيئة الاجتماعية تلعب دورا أساسيا في تكريس هذه الممارسة غير الاخلاقية، خصوصا وان ”النفاق الاجتماعي“ يشجع على ممارسة الغرور الذاتي لدى أصحاب النفوس، او الثراء المالي، فالمجتمع الذي يخضع لارادة لاصحاب التضخم الذاتي، يعطي رسالة سلبية، مما يسهم في تكريس هذه الثقافة لدى فئة ”الغرور الذاتي“، ”فَ?سْتَخَفَّ قَوْمَهُ? فَأَطَاعُوهُ ? إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَ?سِقِينَ“ و”قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ“، وبالتالي فان الوقوف امام السلوكيات الخاطئة التي تحدث حالة من الانقسام الداخلي، امر يحافظ على القيم الأخلاقية، ويقضي على سلوكيات التضخم، لاسيما وان التغاضي عن ”التضخم الذاتي“ لا تقتصر اثره على شريحة محددة، وانما تطال الكثير من الفئات الاجتماعية، نتيجة التداعيات والانعكاسات المترتبة، على انتشار ثقافة ”الانا“ في السلوك الخارجي.

النفاق الاجتماعي يقتل الإحساس بالمسؤولية، ويحرك النوازع الشيطاني لدى بعض الشرائح، فالعملية ليس مرتبطة بالخوف أحيانا، بقدر ارتباطها بحالة من انعدام المسؤولية تجاه البيئة الاجتماعية، الامر الذي يفرض ثقافة ”انا ومن بعدي الطوفان“، مما يكرس العمل الذي يقتصر على مبدأ ”النجاة“، وعدم الالتفات الى الاثار المترتبة على ثقافة ”النفاق الاجتماعي“، بحيث يحاول أصحاب ”الغرور الذاتي“ استغلال هذه الظاهرة بطريقة ذكية، بهدف تعميق مبدأ الفردية بدلا من الثقافة الجمعية، ”الشاردة للذئب“، الامر الذي يتمثل في تقديم الاغراءات المالية، والتلويح بالمكاسب الشخصية، في سبيل اسكات صوت " الضمير الاجتماعي "، مما يشكل خطورة كبرى على التماسك الداخلي، ويعطي إشارات سلبية تجاه السلوك العام.

كاتب صحفي