آخر تحديث: 26 / 11 / 2020م - 6:15 ص

حدود الشعر وحدود السلطة الاجتماعية

محمد الحرز * صحيفة اليوم

انطلاقا من التساؤل الذي ختمنا به مقالة الأسبوع الماضي حول الشكوك التي تطال حراك التجديد في النص الشعري عند الجيل الحالي، مقارنة - مثلما قلنا سابقا - بالنص الروائي والفلسفي، فإن المقارنة تحتم علينا القول:

أولا -

شروط مقاربة المنجز الشعري، عند جيل معين، وفي أي بلد كان، مهما كانت خصائصه وصفاته، يتطلب الانتباه إلى حقيقة أن الشعر من جهة، والشعراء من جهة أخرى لا يشكلان كتلة واحدة صماء، يمكن وضعها تحت مجهر الدراسة والنقد، ومن ثم استخلاص النتائج تماما مثلما هي الحال عليه، في المختبرات العلمية، وبالتالي الأخذ بهذه النتائج بوصفها مسلمات تبنى عليها المواقف والقناعات.

الأمر ليس كذلك برمته.

ثانيا -

لذلك الفوضى والتشتت والتبعثر وعدم الانسجام هي التي تظهر على سطح أي مشهد شعري عند أي جيل من الأجيال، والسبب الأهم، فضلا عن ذلك، هو أن النص الشعري - في تباين تام مع الفنون الأخرى، ما عدا الموسيقى - منبعه ومآله هي الذات وحدها، من خلال خبرتها في الحياة الواقعية الإنسانية والجمالية، ومن خلال أيضا علاقتها ووعيها باللغة. وهذا يعني فيما يعنيه أن الشاعر في كتابة نصه الشعري، لا يخضع لشرطه الاجتماعي والثقافي بالقدر الذي يخضع فيه لشرطه الإنساني وتفتح وعيه الوجودي على العالم، مع الأخذ بعين الاعتبار أننا لا نريد أن نلغي الشرط الاجتماعي وظروفه إلغاء تاما.

لكن ثمة أولويات حسب التصور الذي يعطيه الشاعر للشعر لحظة الكتابة. ناهيك عن أن هذه الأولويات تختلف من فن إلى آخر، فالرواية في مضامينها وشكلها تكون ارتباطها بالشرط الاجتماعي أكثر تماسكا وتمثلا، خصوصا في مقارنتها بالشعر.

ثالثا -

دعونا نبتعد قليلا عن التنظير، ونأخذ بعض الأمثلة لتوضيح أكثر للفكرة: حين كتب محمد الثبيتي نص التضاريس «هذا إذا كنا لا نريد أن نتحدث عن سواه من النصوص أو عن غيره من شعراء جيل الثمانينيات» وهو نص متجاوز على مستوى البنية والشكل والرؤية، وطليعي على مستوى الشعرية العربية آنذاك، وهو أيضا من جهة أخرى، نص خاضع بالدرجة الأولى لوعي الشاعر بوجوده في العالم والحياة، ووعيه باللغة.

فإن الملاحظة الأولى التي تتبادر إلى أذهاننا، ترد على شكل سؤال بصيغته التالية: لماذا لم يخضع شاعر التضاريس للسلطة الاجتماعية الثقافية المحيطة ببيئته، خصوصا ما اتسمت به من تشدد في الرؤية إلى الدين والنفور من كل جديد، يمس الثوابت الثقافية التي تربوا عليها؟ هنا نقع على المسألة برمتها: الشاعر الواعي بوجوده ومعرفة عميقة باللغة لا يخضع بالضرورة لهذه السلطة، بل يدخل في سجال وشد وجذب، ليحقق فيها ذاته، من خلال إنتاج نصه.

وكل شاعر له مسلكه في تحقيق هذه الذات حسب مواجهته وقدرته على التفلت من هذه السلطة، لذلك قلنا بالفوضى والتشتت فيما يخص مقاربة المشهد الشعري.

وكما ينطبق هذا الكلام على شعراء الثمانينيات، ينطبق أيضا على شعراء التسعينيات الذين وجد البعض منهم الانفلات من قيود السلطة الاجتماعية والثقافية فرصة سانحة، للخضوع لسلطة النص الذي يكتبونه وفق شروطه الجمالية ووعيهم به لحظة الكتابة.

لكن ماذا عن جيل ما بعد الألفية؟ هل بالإمكان الخروج معه بنفس النتائج التي وجدناها عند الجيلين السابقين، مع مراعاة أن النتائج دائما ما تكون على مستوى التجربة الذاتية فقط، ولا يمكن تعميمها على الجميع؟

أعتقد الوضع يختلف تماما بسبب العديد من الظواهر التي سنتناولها في مقال قادم.