آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 1:49 م

الازمة.. الاستثمار

محمد أحمد التاروتي *

”مصائب قوم عند قوم فوائد“ احد الأمثلة الشائعة والمتداولة على نطاق واسع، في العديد الكيانات البشرية، فهذا المثال الشائع يعكس التجارب على الأرض ويستند الى تاريخ عريق من التحركات الهادفة لوجود فئات رابحة من المصائب وأخرى خاسرة او غير راغبة في الاستثمار السليم في أوقات المصائب.

التاريخ يتحدث عن وجود شريحة تتحرك بشكل سريع لتسخير الازمات والمصائب لصالحها، من خلال وضع الخطط والبرامج القادرة على تعظيم الفائدة، سواء من خلال توسيع النفوذ الاجتماعي، او رفع الحصيلة الاقتصادية، خصوصا وان الازمات تمثل فرص لا تتكرر على الاطلاق، الامر الذي يدفع أصحاب المواهب النادرة على اقتناص تلك الفرص بالطرق المختلفة، الامر الذي يفسر ظهور بعض الشخصيات بشكل مفاجئ، دون سابق انذار للواجهة عبر تصدر المشهد، والحصول على الكثير من المكاسب نتيجة الاستغلال الأمثل للازمات والمصائب الاجتماعية، وبالتالي فان الاستثمار المشروع للازمات امر مطلوب، خصوصا وانه يعكس حالة من النضج والقدرة، على تحويل الازمة الى استثمار مفيد.

الأبواب مفتوحة امام التفكير الإنساني، للاستفادة من المصائب والازمات، فالاجتهاد يمثل الوسيلة المثلى نحو تحويل الازمات الى ”استثمار إيجابي“، خصوصا وان البشر يختلفون في النظر تجاه الازمات على تنوعها، فهناك من يضع يدا على اخرى ويندب حظه، ويتوقف تماما عن التفكير، فيما يتعلق الاليات المناسبة للخروج منها بالفائدة، وتقليل حجم الخسائر المترتبة على استمرار امد تلك الازمات، فيما البعض الاخر يتحرك بطريقة مختلفة، حيث يتعامل مع الازمات كحدث طارئ، وفرصة سانحة للاستفادة منها، بما يخدم المسيرة الإنسانية، وكذلك تعظيم الفائدة على الصعيد الشخصي، من خلال التحول الى الجانب الإيجابي، ومحاولة تناسي الوجه المظلم للازمات، مما يدفعه للتحرك بشكل مختلف تماما، الامر الذي يقود الى إيجاد الحلول المناسبة، وطرح الأفكار القادرة على تحريك الازمات بالاتجاه الإيجابي.

طريقة التعاطي مع الازمات والمصائب تختلف باختلاف التفكير الإنساني، فهناك أفكار خلاقة تسهم في رفد المسيرة التنموية الاجتماعية، من خلال وضع بعض الأفكار في الطريق السليم، مما يشكل محركا باتجاه انارة الطريق بالاتجاه الإيجابي، بحيث يقود الى تجاوز الازمة، ومحاولة الخروج من المأزق الإنساني بطريقة ذكية، الامر الذي يتمثل في بعض الاختراعات المساهمة في معالجة الازمات، بشكل أخلاقي بعيدا عن المزايدات، والمصالح الضيقة، كما يحدث بالنسبة للعديد من الاكتشافات، التي سجلتها البشرية خلال القرون الماضية، نظرا للحاجة الماسة للتغلب على الازمات، انطلاقا من قاعدة ”الحاجة ام الاختراع“.

على النقيض تتحرك بعض الأطراف بطريقة معاكسة تماما، حيث تسعى للاستغلال بشكل اناني، بعيدا عن الفائدة الاجتماعية، فهذه الأطراف تحاول الاستفادة من الظروف الاستثنائية، لتعظيم الفائدة على الصعيد الشخصي، بحيث تعمد لوضع بعض القواعد غير الأخلاقية، في التعامل مع الوسط الاجتماعي، نظرا لقدرتها على فرض ارادتها على فئات محددة، سواء نتيجة امتلاك النفوذ الاجتماعي، او بسبب القدرة المالية، وبالتالي فانها تتحرك للاستفادة من المصائب او الازمات، لوضع قواعد جديدة بما يحقق المصلحة الذاتية بالدرجة الأولى، بمعنى اخر، فان الشعور بحاجة الأطراف الأخرى يرفع منسوب ”الانا“، والاستغلال الفاحش، فهناك الكثير من التجارب التي تتحدث عن تخلي البعض عن القيم الأخلاقية، في الأوقات العصيبة مقابل الحصول على المكاسب الوقتية.

الفرق في طريقة الاستفادة من الازمات والمصائب، يعكس منظومة القيم الحاكمة لدى كل طرف، فالانسان الذي يمتلك مبادئ ثابتة، وقيم أخلاقية راسخة، يتحرك في أوقات الرخاء بالطريقة نفسها في زمن الشدة، فالزمن لا يحدث اثرا في احداث تغييرات في القواعد الأخلاقية، مما يسهم في رفع أسهمه لدى البيئة الاجتماعية، نتيجة الطريقة الإنسانية في التعاطي مع الازمات القاهرة، الامر الذي يكرسه في الضمير الاجتماعي على الدوام، بخلاف المرء الذي يتحول الى وحش كاسر بمجرد تبدل الأحوال، وحدوث حالة من الانكسار، لدى بعض الشرائح الاجتماعية، حيث يتعامل بفوقية، واستغلالية غير مقبولة على الاطلاق، نظرا لانعدام المبادئ الأخلاقية الثابتة، مما يدفع للتخبط وعدم الاستقرار تجاه التعامل مع الاخرين.

كاتب صحفي