آخر تحديث: 24 / 10 / 2020م - 3:03 م

الكذب.. الاستغلال

محمد أحمد التاروتي *

يتقن البعض لعبة الاستغلال الأمثل للحوادث الطارئة، من خلال تسخير التعاطف الاجتماعي في رفع الأسهم الذاتية، ومحاولة تسجيل نقاط على حساب جراحات والام الاخرين، حيث تتخذ مسارات مختلفة ومتعددة، بعضها ذات سقف مؤقت والبعض الاخر مستمر لفترة طويلة، طبيعة الهدف المرسوم ترسم طريقة الاستفادة والاستغلال.

تبدأ ماكنة نسج الانتصارات الكاذبة والاخبار الملفقة، المرتبطة بالحوادث الطارئة، بهدف احداث هالة من الأهمية واحداث وقعا كبيرا على الصعيد الاجتماعي، خصوصا وان الاهتمام بالحوادث ”المأسوية“، تجد تعاطفا كبيرا من لدن شرائح اجتماعية واسعة، الامر الذي يدركه أصحاب ”الاستغلال“ بطريقة ذكية، وغير مكشوفة لدى بعض الفئات الاجتماعية، بيد ان هذه الالاعيب لا تمر لدى بعض الفئات الأكثر قدرة، على قراءة الغايات الحقيقية لهذه النوعية من الشرائح الاستغلالية.

عملية الاستغلال الفج تبدأ بطريقة ”عاطفية“، عبر نشر بعض المعلومات ذات الأثر النفسي على المتلقي، من خلال وضع الجميع في صورة الحدث بجميع تفاصيله، بهدف إضفاء هالة من الصدقية، والتعامل بشفافية عالية، خصوصا وان الدخول في مشوار ”الكذب“، يمثل خطورة على مشروع ”الاستغلال“، في المدى المتوسط وأحيانا البعيد، الامر الذي يفرض التعامل بواقعية متوازنة في المرحلة الأولى، نظرا لأهمية اكتساب الثقة، ومحاولة الاستحواذ على الجانب العاطفي بالدرجة، مما يفسر التركيز على الجانب ”النفسي“ في البدايات، حيث يظهر التكتيك الاحترافي في الكثير من المواقف، والمراحل الزمنية لتطور الاستغلال الذكي، للحوادث الطارئة او المناسبات الحزينة.

الدخول في مرحلة الاستغلال تتطلب دراسة وافية، لمدى الاستعداد النفسي، من اجل تقبل مسلسل الكذب، في مرور الكثير من الاخبار ”الملفقة“، فالعملية مرتبطة بالقدرة على خلق مناخ نفسي، لتمرير تلك البالونات الهوائية غير المتوقعة، خصوصا وان التفاعل الاجتماعي يختلف باختلاف النظرة لاصحاب ”الاستغلال“، فهناك شرائح قادرة على ”التصديق“، نظرا لاستبعاد ”الكذب“ من هذه الفئة الاجتماعية، نظرا لما تمتاز به من مكانة اجتماعية نافذة، بينما تتطلب عملية تمرير ”الكذب“ فترة زمنية، لدى بعض الشرائح الاجتماعية، خصوصا وان صدور بعض الوقائع يحتاج الى حقبة زمنية محددة، مما يجعل الانتشار السريع للتفاعلات الاجتماعية، مع الحوادث المأسوية غير وارد خلال فسحة زمنية قصيرة، وبالتالي فان شريحة ”الاستغلال“ تحاول التفريق في عملية بث الأكاذيب بما يتوافق مع الاستعداد النفسي، لمختلف الفئات الاجتماعية.

المغامرة الكبرى التي يرتكبها أصحاب ”الاستغلال“، تكمن في التسرع، وعدم انتهاج المرحلية في تسريب او نشر الأكاذيب، مما يصيب هذه الفئة بمقتل في أحيان كثيرة، فهناك الكثير من الأكاذيب يصعب تمريرها، او محاولة تصديقها، نظرا لضخامة الهالة الإعلامية المصاحبة لها، الامر الذي يدفع لوضع الكثير من علامات الاستفهام، بشأن مصداقية تلك الاخبار ومدى ملائمتها مع قدرة أصحابها الحقيقيين، على ارض الواقع، فالكثير من الشائعات التي تروج تتناقض مع الحقائق على الأرض، مما يستدعي التوقف كثيرا امام مثل هذه الاخبار الكاذبة.

الاستغلال الذكي لعبة يحاول البعض استخدامها، في مختلف المناسبات، بيد انها سلاح ذو حدين، فالعملية تحمل في طياتها الكثير من المخاطر، مما يستدعي التحرك بواقعية بعيدا عن الاحلام الوردية، التي تجلب معها الويلات في غالبية الأحيان، بمعنى اخر، فان محاولة وضع ضوابط صارمة في طريقة التعاطي، مع المناسبات العاطفية، يشكل احد العناصر في القضاء على المساعي غير الشريفة، في استغلال المناسبات الخاصة، لاسيما وان أصحاب ”الاستغلال“ يتعاملون بطريقة غير أخلاقية مع ”الحوادث“، عبر فرض الذات على الاخرين، وبالتالي فان التحرك غير الأخلاقي، يقود الى احداث صدمة كبرى لدى المتلقى، خصوصا وان اكتشاف الحقيقية والغايات الهادفة للاستغلال الفج، يحدث حالة من القطيعة الاجتماعية.

التذاكي على الاخرين ومحاولة بيع ”الأكاذيب“، بغطاء ”القدسية“ و”العاطفية“، يجلب خلفه بعض الاثار على الصعيد الاجتماعي، لاسيما وان السقوط الكبير يمثل احد المخاطر، وراء لعبة الاستغلال السيء، الامر الذي يستدعي وضع الأمور في ميزان الحقيقة والصدق، عوضا من الركض وراء التلاعب بمشاعر الاخرين، والعمل على تمرير ”الأكاذيب“ عبر إضفاء حالة القداسة غير الحقيقية.

كاتب صحفي