آخر تحديث: 5 / 8 / 2020م - 3:13 ص  بتوقيت مكة المكرمة

طبيبٌ مغمور وآخر مشهور

ليلى الزاهر *

نعتْ نقابة الأطباء المصريّة الطبيب المصري محمد مشالي عن عمرٍ ناهز «76» عاما قضاها في علاج الفقراء بأجر زهيد لم يتجاوز عشرة جنيهات مصرية، وكان نعيُّ شيخ الأزهر للطبيب المصريّ في قصّة طويلة للإنسانية قضى مشالي فيها أكثر من نصف قرن في خدمة الضعفاء يسابق الأخيار ويقتحم مضمارهم لمساعدة «الغلابة» في الوقت الذي كان ينعم فيه زملاؤه الأطباء بصيت ذائع، وثروة ضخمة جناها من مهنته كطبيب.

يُذكر أن عيادة الطبيب مشالي كانت تضجُّ بالمرضى الذين لايمتلكون المال للعلاج وقد كان يفتح أبوابها مبكرا لاستقبالهم. وكما يقول أحد أبنائه أن والده مشى في طريق حب الناس ومساعدتهم عملا بوصية والده الذي أوصاه وهو على فراش الموت ألا يأخذ مالًا نظير علاجه للضعفاء والفقراء فنال شهرة واسعة وفاز بلقب «طبيب الغلابة»

أيّها الطبيب الحاذق:

‏خانني خيالي عندما أردتُ أن أرسم حدود إنسانيتك المعطاءة، يسّرت ماتعسّر من أمر معيشتهم، وأبدعت في توظيف آيات الرحمة، حرمهم الآخرون أسباب الصحة ووهبتها آمالا لاحصر لمنابعها، هنيئا لك «طبيب الغلابة».

الطبيب محمد المشالي ظل فترة طويلة من الزمن مغمورا لايعرفه أحدٌ لأنه اكتفى بأن يكون الطبيب الإنسان لا الطبيب المشهور المعروف بأجره المرتفع فلا يقصده إلا أصحاب الدخل الممتاز، كما هو حذو بعض الأطباء في زمننا.

آمن مشالي بأن للإنسانية أصول واحدة مما جعله يرتبط بالناس برباط القربى فمنحه ذلك القدرة على العطاء بسخاء، دون اعتماد متبادل أو منفعة قائمة فاستعبد قلوب الكثير من الناس بإحسانه لهم، وابتسامته الصادقة في وجوههم مما كان يخفف وطأة المرض ومعاناة الألم.

كان مصداقًا حيًّا للطبيب الرحيم صاحب الخلق الرفيع.

قلْ للطبيبِ إذا ما جئتَ تنصحُهُ

كنْ يا طبيبُ قبيلَ الطبِّ إنسانا

نصفُ الدواءِ بثغرٍ منكَ مبتسمٍ

يسقي العليلَ، على الآلامِ تَحنانا

أحسنْ إليه إذا ما كان ذا عَوَزٍ

فاللهُ يجزي على الإحسانِ إحسانا

أما حصوله على الفائض من الأموال في بعض الأحيان فقد كان أيضا يصبّ في مجرى مساعدة مرضاه الفقراء وفي أبحاثه الطبيّة لمساعدة الآخرين.

أثناء بحثي في مسيرته الطبيّة صادفتني الفطرة الإنسانية النّقيّة، والنوع الإنساني الفريد فقد تصدّرت الصفات الكريمة سيرته العطرة.

فإن بحثت عن الزهد في المال سوف تراه دون مركبة تقلّه وبلا هاتف يحمله معه، تُسيّره الرحمة، وتزينه الشفقة ويمشي مشية المتواضع، ستصادفك القناعة كرداء جميل يرتديه.

رحمه الله وأحسن مثواه، لقد حمل على عاتقه أنبل رسالة وأصدقها وسعى في قضاء حاجة الناس.

‏ «إنّ حوائج الناس إليكم من نِعم الله عليكم، فلا تملّوا النعم»

فهل سوف يتكرر هذا النموذج الاستثنائي في مجتمعاتنا؟