آخر تحديث: 28 / 9 / 2020م - 5:20 م  بتوقيت مكة المكرمة

‎تنبؤات درامية أم سينما متواطئة «42»

عبد العظيم شلي

‎قبل أن تسقطت سايغون بيد الثوار الفيتناميين بساعات، وفي اللحظات الأخيرة من حرب فيتنام، حدثت مشاهد دراماتيكية ‎حيث ساد الرعب والهلع أرجاء المدينة. تلويحات نصر تهب عزم الرجال مع خيوط الفجر، وجباه تعكس شعاع الشمس، الأفق ضيق في وجه المحتل، والرؤية انكسار في ربقة السواد، عيونه ترى النور ظلام، جاحظة بالرعب والخوف، فزع ينهش القلوب الوجلة لكل العاملين في السفارة الأمريكية يحثون الخطى، يتقدمهم السفير «غراهام مارتن»، برفقة الحراس، يكاد المجرم أن يقول خذوني، حاشية تتلفت كاللصوص، ويتراكضون في جوف المروحية، استنفار ضائع لبقايا جنود المارينز الخارجين من مخابئهم يولون الدبر، إنهم وحدة قتالية مما تبقى من ذاك الجيش المنوع الذي رحل القسم الأكبر منه سنة 1973م والمقدر بنصف مليون جندي أمريكي.

‎ذهول وهروب لأناس تبكي بحرقة، توهان كل يبحث عن منقذ ومنفذ، زلزال داخل وخارج مبنى السفارة الأمريكية، حالات ذعر وجنون، كل يريد الفرار والنجاة بعمره خوفا من ضربات ”الفيتكونغ“ وثوار الجنوب، الذين بدؤوا يطوقون العاصمة من كل الجهات بعد قصفهم للمطار وتعطيله بالكامل. اللحظات الأخيرة لرفرفة العلم الأمريكي في سماء سايغون قبل أن يمزق إربا إربا وتذره الرياح، شرود وجري وارتباك داخل فناء السفارة ومحيطها، كل يريد الالتحاق بالطائرات المروحية التي ستقلهم على متن حاملة الطائرات، عوائل ورجال من فيتنام الجنوبية ممن تعاونوا مع المحتل، يهرعون نجدة بالأمريكان ويتوسلون عطفهم بمرارة في الحلق، يتشبثون بأسمال الغازي خوفا من حالات الانتقام أو الرصاص الطائش.

‎مشاهد موثقة عبر وسائل الإعلام المختلفة ترصد الهروب الأخير.

‎لقد اقتربت ساعة الخلاص وانشق البحر، ليبتلع الأجساد والهليكوبتر، شلل أصاب حواس الطيارين الفارين، بفقدهم السيطرة على قمرة القيادة، فترتطم طائراتهم بسطح البحر ثم تهوي غرقا، وأخرى يتقافز من بداخلها ويرتمون في حضن الأمواج، جنود اليانكي والمتواطئين معهم يدفعون بالطائرات المروحية في عرض البحر لكي لا يغنمها الثوار الذين تسمع إيقاع خطواتهم في كل الشوارع والدروب.

‎ذلك النهار الذي بكى فيه الأمريكان دما، نهار لا يشبه أي نهار مضى، نهار ليس ككل النهارات التي مرت على مدى عشرين عاما من الكفاح المسلح، هرب الغزاة تاركين أسلحتهم الثقيلة حاملين الذل والعار، إنه يوما عبوسا قمطريرا،‎كان ذلك النهار المشهود 30 أبريل عام 1975.

‎إيه أيتها الحرب ماذا فعلت بالفارين من جحيم التطهير؟

‎وويحك أيتها الدراما، ماذا دهى عيون مخرجي هوليوود عن ذاك النهار؟ لقد عميت أبصارهم، ‎ولم تبصر ما حل بالجيش الذي ظن بأنه لا يقهر، لم يتجرأ أي مخرج أمريكي لتصوير ذلك الذعر وتلك الهزيمة النكراء.

‎راح المخرجون يستعرضون عضلاتهم ويطلقون أفلاما مناهضة للحرب، إنتاج يفتقد للمصداقية وإن لامس العواطف والأنفس المعذبة، بعد ماذا؟ بعد أن وضعت الحرب أوزارها وانطفأ أوارها، راحوا يفتشون عن كبش فداء بإسم الألم ومعاناة العائدين من الموت العبثي، بتصوير مراراتهم، وتضميد جراحاتهم، دراما للمواساة والطبطبة على الأكتاف المنهارة، فيأتي أول مرثية لما تبقى من الأجساد المعطوبة التي نجت من المحرقة، فيلم «العودة للوطن» - ‏Coming home ‏‎الذي انتج سنة 1978، من بطولة جين فوندا، جون فويت، بروس ديرن.

‎تدور أحداث الفيلم حول ثلاث شخصيات رئيسية رجلان وامرأة، وتبدأ الحكاية، عندما غادر النقيب في سلاح مشاة البحرية الأمريكية ”بوب هايد“ إلى فيتنام، شعرت زوجته ”سالي“ بألم الفراق والوحدة القاتلة، ولم تجد شيئا تفعله، فقررت التطوع للعمل في مستشفى المحاربين القدامى، فتلتقي بشخص يئن ألما، تعرفه من قبل ‎كان زميلا لها ‎أيام الدراسة الثانوية، يدعى الرقيب السابق ”بلوك مارتن“ لكنه محطم نفسيا فهو العائد من حرب فيتنام سنة 1968 مصابا إصابة بليغة، مشلولا من الخصر إلى الأسفل، حبيسا على كرسي متحرك، يأس من الحياة، استنتج بأن الوطن الذي ضحى من أجله تخلى عنه، فقد أصبح مجرد رقم في عالم النسيان، مرميا بين ردهات المستشفى بأحلام منكسرة وآمال مؤودة، منزعج وغاضب من عدم الاعتناء به بالشكل الصحيح، - المستشفى يعاني من نقص الموظفين - يشكو من عدم الاستحمام بما فيه الكفاية، أو من إفراغ كيس بوله، محبط من البقاء طويلا يتقلب حزنا على السرير الأبيض، تنتابه نوبات انفعال بضرب عربة الدواء، يتنقل بين أنين المصابين وصراخ المفجوعين من مآسي الحرب.

‎يجد ”لوك“ المليء بالغضب والمتخم بالإحباط سلواه مع ”سالي“ المبتسمة التي تبادله مشاعر المواساة وبشيء من العطف والحنان، وتطببه عن حالة الخذلان، فكلاهما في حالة عطش للهمس واللمس والمداراة الوجدانية نتيجة وضعهما البائس، تتملكهما دغدغات الحب على استحياء، ومع مرور الوقت تتطور العلاقة إلى حب يتعاظم يوما بعد يوم، حب جامح ينسيهما صدى أهوال الحرب، يخرجان بين حين وآخر للتنزه في الحدائق والألعاب، أشبه بزوجين عاشقين، ويتبادلان الحب بحميمية طاغية، وبعد هذه الأجواء الرومانسية تحدث الغصة والمرارة حينما عاد الزوج ”هايد“ إلى المنزل جريحا بخيبة أمل، منهك القوى على الرغم من سلامته الجسدية فقد دمرته الحرب عاطفيا، عائد لأحضان زوجته بكل شوق وحنين لعلها تنسيه خسارة الحرب المشؤومة، وبحرقة قلب يجدها في أحضان الغريب، زاد الأمر سوءا وتعقيدا بأن الزوجة على علاقة عشق وهيام مع أحد مصابي حرب فيتنام، صدمة نفسية مضاعفة وضاغطة لم يتحملها، دفعته في النهاية لرمي نفسه في البحر منتحرا!؟.

‎وفي تعريف مختصر للناقد السينمائي البحريني حسن حداد حول فكرة الفيلم: «إن فيلم العودة للوطن يعلن صراحة بأنه ضد هذه الحرب، متناولا ما خلفته من شروخ وانهيارات عند الفرد داخل المجتمع الأمريكي، ومتعمدا أن لا يقدم مشاهد للمعارك الحربية داخل فيتنام، والفيلم ككيان درامي يقوم على ذلك الثالوث التقليدي للأفلام الميلودرامية: الزوج +الزوجة + العشيق، لكنه يقدم هذا الثالوث على أرض ملتهبة بالأحداث فيغير من بناء وانفعالات الشخصيات ليعطي مضامين جديدة، فالعشيق هو من خاض تلك الحرب، فتركت بصماتها على جسده وعقله فانطلق يحذر منها، والزوج هو المخدوع بالحرب وإعلامها، الذي يقوده ‎إلى مصير مؤلم هو الانتحار، أما الزوجة فهي الشاهدة على هذه المأساة التي أحرقت كل شيء»،‎لعبة بطلة الفيلم جين فوندا دورا مؤثرا في الفيلم وخارجه فقد أجرت تعديلات على السيناريو، نظرا لمشاركتها في عملية الإنتاج، فقد أضافت بعضا من صياغة الأفكار والحوارات التي دارت بين الممثلين حيث جمعتها من خلال لقاءاتها مع الجنود العائدين من الحرب وتقول: «لقد اتخذت قراري بالمشاركة في هذا الفيلم عندما شعرت أنه من خلال دوري أن أقول الحقيقة التي يجب أن تقال»!

‎صح النوم يا جين، بعد السكرة جاءت الفكرة، بعدما ماذا؟ بعد أن عاث جنود بلدك الخراب والدمار وخرجوا مطأطئي الرأس، أخيرا بانت لك الحقيقة!. أين كنت عنها من قبل؟ من المختبئ وقت اشتعال الحرب الضروس أنت أم الحقيقة؟.

‎وفي تصريح لمخرج العمل ”هال اشبي“ حيث يقول: «نحن نوجه رسالة إلى المجتمع العالمي، وبالذات هذا الجيل الجديد من الشباب الذي يعرف فقط بأنه كانت هناك حرب شنتها أمريكا ضد فيتنام، حرب انتهت بالعار والهزيمة للجيش الأمريكي، ولكنه لا يعرف كيف أثرت هذه الحرب على مصائر الأسر والمجتمع الأمريكي ككل».

‎والنغمة الوحيدة والمستمرة طوال الفيلم مناظر للجنود المشوهين الذين يرقدون في المستشفيات والأنين المتصاعد من الأجساد المحطمة، هذا جندي مقعد في منزله، وذاك المكتئب بين أسرته، قد تكون رسالة فيلم ”العودة للوطن“ ذات قيمة عالية من جانبها الإنساني، لكنها موجه لمن؟ للداخل الأمريكي ومتعاطفة مع من! مع الجنود الذين زجوا في حرب خاسرة بإسم الدفاع عن مصالح أمريكا،‎ولكن أين المخرج من معاناة آلاف الأسر الفيتنامية الذين فقدوا أبنائهم وقتل رجالهم وتشوه الملايين من الأبرياء بقنابل النابالم واحرقوا وهم أحياء، ألم يسمع بنحيب الفيتناميات أو لم يرى تشرد الأطفال، بشر قتلوا بلا ذنب. أين عين المخرج عن كل ذلك، هل تعامى عما جرى، أم غض الطرف عن توسيع دائرة الألم، عيناه تقصدت فقط أوجاع العائدين إلى وطنه، إنها رؤية منقوصة أبصرت بعيون ضيقة، ومهما قيل عن رسالة الفيلم تمجيدا فهي رسالة مبتورة طالما العاطفة الإنسانية انتقائية.