آخر تحديث: 24 / 10 / 2020م - 3:35 م

النصيحة.. الغايات

محمد أحمد التاروتي *

تنطلق النصيحة في الغالب من غايات نبيلة، من اجل وضع الاخر على الجادة السليمة، ومحاولة قطع الطريق امام السير على غير هدى، الامر الذي يفرض على الناصح اختيار التوقيت المناسب، والطريقة الملائمة، والأسلوب المثالي، بهدف احداث اثر بالغ في الطرف المقابل، خصوصا وان استخدام الطريقة الفجة، يعطي نتائج معاكسة، ”وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ“.

الأهداف النبيلة تدفع لتحمل تبعات ”الكلمة الصادقة“، خصوصا وان هناك تداعيات عديدة تترتب عملية النصح في البيئة الاجتماعية، ”وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَ?كِن لَّا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ“، فهناك اطراف غير قادرة على استيعاب الأهداف الحقيقية، وراء انتهاج وسيلة النصيحة، والسعي الجاد لتحريك المياه الراكدة بالاتجاه الإيجابي، لاسيما وان السكوت يترك خلفه اثارا سلبية على الاطار الفردي، وأحيانا كثيرة على الجانب الاجتماعي، انطلاقا من قاعدة ”الخير يخص والشر يعم“، وبالتالي فان انتشار ثقافة ”الباب اللي يجي منه الريح سده واستريح“، ليست مثالية في الغالب، فهناك مواقف تتطلب الوقوف بحزم لايقاظ الضمير الاجتماعي، من خطورة بعض الممارسات الخاطئة، مما يفرض استخدام النصيحة بالطريقة المثالية، لاعادة التفكير الجمعي الى الجادة السليمة.

السيرة الذاتية، والاستقامة الواضحة، تكشف الكثير من الخفايا الحقيقية للناصح، فالمرء الذي يمتلك سجلا نظيفا على الاطار الاجتماعي، يبدد الكثير من المخاوف والتوجس من وراء الاستجابة للنصيحة، خصوصا وانه يهدف من رواءها إعادة التفكير الى المنهج الصحيح، الامر الذي يتمثل في انقاذ الطرف الاخر من خطورة التحركات المشبوهة، مما يقود في النهاية لحماية الثقافة الاجتماعية، من الاثار التدميرية المترتبة على السير، دون وعي في الاتجاه المعاكس للطريقة السليمة في التفكير، وكذلك في الممارسات العملية في مختلف الجوانب الحياتية، ”قَالَ يَا مُوسَى? إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ“.

بالمقابل يتخذ البعض النصيحة وسيلة، لتحقيق مآرب خاصة، بالإضافة لادخال الطرف الاخر في المشاكل، والخسارة الكبرى، من خلال تقديم المشورة الخاطئة وغير السديدة، مما يمهد الطريق للدخول في نفق مظلم يصعب الخروج منه، فالاهداف من وراء النصيحة ”الخاطئة“ ليست واحدة، حيث تنطلق أحيانا من الحقد تجاه المجتمع، وأحيانا أخرى مرتبطة بطبيعة التفكير الاناني للناصح، مما يدفعه للاقدام على ارتكاب الهفوات، ومحاولة احداث انحراف حقيقي، في المسيرة الاجتماعية، من خلال التأثير على بعض المفاتيح الفاعلة في البيئة الاجتماعية، مما يسهم في ادخال الجميع في مسار خطير، وغير محسوب النتائج، ”قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى? شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى?“.

التوقف امام نوعية النصيحة، وكذلك دراسة الجوانب النفسية لاصحابها، بالإضافة لمحاولة قراءة الواقع الاجتماعي، عناصر أساسية لاحداث الأثر الإيجابي للنصيحة، سواء على الصعيد الفردي او الجمعي، خصوصا وان الكثير من النصائح ليست قادرة على احداث تحولات حقيقية في الوعي الاجتماعي، مما يجعلها بعيدة عن الفعالية الحقيقية، نظرا لابتعادها عن ملامسة المشكلة الحقيقية، او محاولتها إيجاد الحلول الخارجية، بحيث تولي أهمية للقشور دون البحث عن الجوهر، الامر الذي يولد حالة من الإحباط الحقيقي، في ماهية الغايات الكامنة وراء ابداء النصيحة، ”لا ينصح اللئيم أحدا إلا عن رغبة أو رهبة، فإذا زالت الرغبة والرهبة عاد إلى جوهره“.

النصيحة ليست مفردات تتردد على الالسن، بقدر ما تمثل عصارة تجارب حياتية، وثمرة معارف مختلفة، الامر الذي يفسر الحرص على اختيار الجهات الناصحة، ”من نصح نفسه كان جديرا بنصح غيره، من غش نفسه كان أغش لغيره“، وبالتالي فان النصيحة ليست متاحة للجميع، نظرا لاختلاف المستوى الثقافي، وكذلك تفاوت التجارب الحياتية، مما يجعل النصيحة تختلف باختلاف الأشخاص، «علامة الناصح فأربعة: يقضي بالحق، ويعطي الحق من نفسه، ويرضى للناس ما يرضاه لنفسه، ولا يعتدي على أحد».

كاتب صحفي